اقتصاد

منارة الجغرافيا الطاقية الجديدة: كيف يتربع المغرب على عرش “الهيدروجين الأخضر” عالمياً؟

يتصدر المغرب واجهة التحليلات الاقتصادية الدولية كأحد أبرز قادة الثورة الطاقية النظيفة في القرن الحادي والعشرين، متحولاً من بلد عانى تاريخياً من التبعية الطاقية إلى “قوة صاعدة” تعيد رسم خرائط الإمداد العالمي. هذا التحول البنيوي بات مادة دسمة لكبريات الصحف والمنصات المالية العالمية، وفي مقدمتها “بلومبرغ” (Bloomberg) و”فاينانشال تايمز” (Financial Times)، والتي أفردت تقارير مطولة لتحليل الطموحات المغربية في قطاع الهيدروجين الأخضر والجزيئات الخضراء؛ حيث تُجمع هذه القراءات الدولية على أن المملكة لم تعد مجرد حقل تجارب، بل أصبحت حلقة الوصل المستقبلية الأكثر موثوقية لتزويد القارة الأوروبية بالطاقة النظيفة، مستفيدة من جيل جديد من المشاريع الاستثمارية الضخمة والمواكبة التشريعية الحازمة.

“عرض المغرب”: ترسانة تعاقدية بمليارات الدولارات وتعبئة عقارية لمليون هكتار

لم يعد الطموح المغربي مجرد حبر على ورق أو إعلانات نوايا، بل انتقل رسمياً إلى “المرحلة العملياتية والتنفيذية للتعاقدات”؛ فبموجب الآليات التوجيهية للاتفاقيات الإطار، خصصت الدولة وعاءً عقارياً استثنائياً تناهز مساحته الإجمالية مليون هكتار من أملاك الدولة مخصصة بالكامل لمشاريع الهيدروجين الأخضر، مع منح الأولوية في المرحلة الأولى لمساحات شاسعة في الأقاليم الجنوبية (كلميم-واد نون، العيون-الساقية الحمراء، الداخلة-وادي الذهب) تتراوح بين 10 آلاف و30 ألف هكتار لكل مشروع. هذه الدينامية تُوجت بقبول عروض كبرى تقودها تحالفات كونسورتيوم دولية ومحلية (مثل تحالف ORNX الأميركي الإسباني الأسبق، وتحالف طاقة-مويف الإماراتي الإسباني، وشركة “ناريفا” المغربية، و”أكوا باور” السعودية)، حيث رصدت لهذه المشاريع استثمارات ضخمة تتجاوز حاجز 32.5 مليار دولار، مما يجعلها أضخم حزمة التزامات طاقية تعاقدية يشهدها شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية.

من الواحات إلى السواحل: التناغم البيئي بين ورزازات وطرفاية والأقاليم الجنوبية

تكمن القوة التنافسية الفائقة للمغرب، حسب تحليلات المنصات الدولية، في “التكامل النادر والمثالي” بين الموارد الشمسية والريحية؛ فالمملكة التي أبهرت العالم بمجمع “نور ورزازات” للطاقة الشمسية المركزية، طوّرت أقطاباً ريحية عملاقة على طول الشريط الساحلي الممتد من طرفاية وبوجدور إلى الداخلة. هذا الدمج الهجين يسمح بتشغيل أجهزة التحليل الكهربائي (Electrolyzers) لإنتاج الهيدروجين والأمونيا الخضراء بمعدلات مردودية وكفاءة تشغيلية تعد الأعلى عالمياً والأقل تكلفة للإنتاج، مما يمنح المنتج المغربي تفوقاً سعرياً حاسماً في الأسواق العالمية التي تبحث عن بدائل موثوقة لإزالة الكربون من صناعاتها الثقيلة.

العمق الصناعي المحلي: لا تقتصر الاستراتيجية المغربية على التصدير الخام؛ بل تمتد لبناء قاعدة صناعية سيادية بقيادة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) في منصة “الجرف الأصفر” الصناعية، والتي تستهدف إنتاج 100 ألف طن من الأمونيا الخضراء محلياً لتعويض الواردات الأحفورية وتأمين الريادة العالمية للمملكة في قطاع الأسمدة المستدامة.

الشراكة الاستراتيجية مع أوروبا وثورة البنية التحتية اللوجستية لـ 2030

تتابع الصحافة الأوروبية بدقة بالغة تموقع المغرب كـ “خزان طاقي حيوي” لبروكسيل؛ حيث تدعم ألمانيا وبنك التنمية الألماني (KfW) بتمويلات ومناح ضخمة هذه المشاريع، بالتزامن مع تطوير ممر الأنبوب المغاربي الأوروبي والمشروع الطموح لخط أنابيب الهيدروجين المتوسطي (H2Med). ولمواكبة هذه الطفرة، يخوض المغرب سباقاً مع الزمن لتأهيل بنيته التحتية المينائية، لاسيما في ميناء الجرف الأصفر وميناء الداخلة الأطلسي، المخطط لهما ليكونا منصات التصدير الرئيسية نحو الموانئ الأوروبية؛ وهي المشاريع الهيكلية التي تتقاطع استراتيجياً مع خطة الاستثمارات الكبرى المخصصة لتأهيل البنية التحتية الوطنية تزامناً مع احتضان نهائيات كأس العالم 2030، مما يضمن للمملكة قفزة صناعية وتنموية مستدامة وعابرة للقارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى