قبل انتخابات 23 شتنبر.. من يراقب المال الذي يُصرف قبل بداية الحملة؟ وهل تستطيع اللجان المركزية والإقليمية ضبط «الإنفاق الانتخابي المبكر»؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يتقدم المال السياسي مرة أخرى إلى واجهة النقاش حول نزاهة الاستحقاق المقبل، ليس فقط من زاوية مصادر تمويل الأحزاب وكيفية صرف الدعم العمومي، وإنما من زاوية أكثر تعقيداً: ماذا عن الأموال التي يتم إنفاقها قبل انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً؟ ومن يراقب الأنشطة والتحركات التي قد تبدو سياسية أو اجتماعية أو تواصلية، لكنها قد تحمل في الواقع أهدافاً انتخابية واضحة؟
السؤال لم يعد يتعلق فقط بما ستسجله الأحزاب في حساباتها، وإنما بما يمكن أن يحدث على الأرض قبل أن تبدأ الحملة وفق الأجندة القانونية.
ففي الوقت الذي يجري فيه تطوير منظومة تدقيق حسابات الأحزاب وتشديد قواعد الحكامة المالية، تتحرك الآلة الانتخابية مبكراً، وتبدأ اللقاءات والزيارات والأنشطة التواصلية واستقطاب الأعيان والفاعلين المحليين، فيما قد تكون بعض المصاريف مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالاستحقاق المقبل.
وهنا تظهر واحدة من أصعب معادلات الانتخابات المغربية المقبلة: كيف يمكن مراقبة المال الانتخابي عندما لا يقدم نفسه دائماً باعتباره مالاً انتخابياً؟
450 مليون درهم.. الدولة تمول، لكن الرقابة مطالبة بأن تواكب
خصصت الدولة للانتخابات التشريعية المقبلة مساهمة إجمالية في تمويل الحملات الانتخابية تصل إلى 450 مليون درهم، منها 400 مليون درهم لفائدة الأحزاب السياسية، إضافة إلى 50 مليون درهم لدعم لوائح الترشيح المقدمة من مترشحين شباب لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وفق الشروط القانونية.
هذا الغلاف المالي ليس تفصيلاً صغيراً.
فهو يعكس حجم الاستثمار العمومي في العملية الانتخابية، ويجعل مسألة تدبير الأموال ومراقبة أوجه صرفها جزءاً أساسياً من حماية نزاهة المنافسة السياسية.
وقد صادقت الحكومة، في أبريل الماضي، على مراسيم لتنظيم مساهمة الدولة في تمويل الحملات، بما يشمل تحديد الحصة الجزافية وتوزيع الشطر الثاني وآليات صرف التسبيق، إلى جانب وضع آجال وشكليات مرتبطة باستعمال هذه المساهمة.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل تكفي مراقبة الأموال التي تعلن الأحزاب عن صرفها، لضبط كل الأموال التي يتم إنفاقها فعلياً في الميدان؟
المشكلة ليست في المال المعلن فقط
الرقابة المحاسبية تستطيع، بطبيعتها، أن تفحص الوثائق والحسابات والعقود والفواتير والعمليات المسجلة.
لكن الحياة السياسية لا تتحرك دائماً بالشيكات والفواتير الرسمية.
هناك لقاءات، وولائم، وتنقلات، وهدايا، ومساعدات، وأنشطة جمعوية، وتكفل ببعض المناسبات، ودعم مبادرات محلية، وتنظيم لقاءات جماهيرية، واستعمال وسائل نقل، وتعبئة أشخاص لحضور أنشطة، فضلاً عن الحملات الرقمية والإعلانات على شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد لا تحمل هذه الأنشطة في ظاهرها صفة «حملة انتخابية».
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: من يمولها؟ ولماذا تم تنظيمها في هذا التوقيت تحديداً؟ وهل لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاستحقاق الانتخابي؟
وهنا تكمن صعوبة المراقبة.
فالأمر لا يتعلق فقط باكتشاف مخالفة محاسبية، وإنما بربط المال بالنشاط السياسي وبالهدف الانتخابي وبالتوقيت.
اللجان المركزية والإقليمية أمام اختبار حقيقي
وفي هذا السياق، تكتسي تعبئة أجهزة تتبع الانتخابات أهمية خاصة.
فقد تم، في 20 يوليوز الماضي، تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، كما تم على المستوى الترابي تفعيل لجان إقليمية في العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، تضم الوالي أو العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك.
وهذه البنية الترابية تمنح عملية تتبع الانتخابات بعداً ميدانياً.
لكن نجاحها في مواجهة المال الانتخابي سيطرح سؤالاً عملياً:
هل تستطيع هذه اللجان أن تراقب الإنفاق السياسي قبل أن يتحول إلى مصاريف انتخابية مثبتة على الورق؟
فالمراقبة الميدانية تختلف جذرياً عن تدقيق الحسابات.
المراقب لا يحتاج فقط إلى معرفة كم أنفق المرشح، وإنما يحتاج إلى معرفة من نظم النشاط، ومن دفع، ومن استفاد، ومن قام بالنقل، ومن وفر المكان، ومن تكفل بالطعام، ومن تحمل تكاليف الدعاية، وما الغرض من كل ذلك.
وهذه شبكة معقدة من المعلومات لا يمكن جمعها من الوثائق المحاسبية وحدها.
«الحملة الانتخابية الصامتة».. التحدي الأصعب
المنافسة الانتخابية في كثير من الأحيان لا تبدأ عندما تبدأ الحملة رسمياً.
قد تبدأ قبل ذلك بأسابيع أو أشهر.
المرشح يشرع في بناء حضوره، يعقد لقاءات، يزور المناطق، يقترب من الجمعيات، يشارك في مناسبات اجتماعية، يظهر بشكل مكثف في الفضاء العام، ويعيد ترتيب علاقاته مع الناخبين والفاعلين المحليين.
كل ذلك قد يكون مشروعاً ومسموحاً في حد ذاته.
لكن الحدود الفاصلة بين النشاط السياسي المشروع وبين الإنفاق الانتخابي المبكر يمكن أن تصبح دقيقة جداً.
وهنا لا بد من الحذر من تحويل كل نشاط اجتماعي أو سياسي إلى شبهة انتخابية، لأن الحياة الحزبية بطبيعتها مستمرة ولا يمكن تجميدها طوال السنة.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول هذه المساحة إلى منفذ لإنفاق أموال ضخمة قبل موعد الحملة، ثم يصعب إثبات علاقتها بالانتخابات.
الدليل الجديد.. خطوة مهمة ولكنها ليست عصا سحرية
في موازاة ذلك، دخل حيز التنفيذ دليل جديد يتعلق بمعايير التدقيق القانوني والتعاقدي للحسابات السنوية للأحزاب السياسية.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يوسع مفهوم المراقبة من مجرد التأكد من سلامة الحسابات والأرقام إلى فحص القانونية والتعاقدات ونظام المراقبة الداخلية.
كما يفرض الدليل شروطاً تتعلق باستقلالية الخبير المحاسب، ويحدد مدة انتدابه في ست سنوات متتالية، مع اعتماد منظومة تقارير أكثر تفصيلاً حول الحسابات ونتائج التدقيق ونظام المراقبة الداخلية.
وهذا تطور مهم.
لكن حتى أفضل نظام للتدقيق المحاسبي سيظل محدوداً إذا لم يستطع الوصول إلى الإنفاق الذي لا يظهر أصلاً في الحسابات أو الذي يقدم نفسه في شكل نشاط آخر.
من يراقب «الممول الحقيقي»؟
وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية.
في الانتخابات، لا يكفي معرفة اسم المرشح الذي يستفيد من النشاط.
الأهم هو معرفة من يقف وراء التمويل.
فقد يكون المرشح محدود الإمكانيات، بينما تحيط به شبكة من الأشخاص القادرين على تمويل اللقاءات والأنشطة والتنقلات والخدمات.
وقد يتم الإنفاق بطريقة مباشرة أو عبر أشخاص آخرين.
وهذا يجعل الشفافية المالية مرتبطة أيضاً بكشف العلاقات المالية والسياسية المحيطة بالمرشح.
فالمنافسة النزيهة لا تعني فقط منع شراء الأصوات، وإنما ضمان ألا تتحول الثروة الخاصة إلى وسيلة لإحداث فارق غير مشروع في القدرة على الوصول إلى الناخبين.
المال السياسي والعدالة بين المرشحين
المشكلة الأساسية في المال الانتخابي ليست المال في حد ذاته، وإنما تحوله إلى أداة لاختلال تكافؤ الفرص.
مرشح يمتلك شبكة مالية واسعة يستطيع تنظيم عشرات الأنشطة، والحضور في مناسبات مختلفة، والاستعانة بوسائل إعلامية ورقمية، وتوسيع دائرة التواصل.
ومرشح آخر قد يمتلك برنامجاً سياسياً أكثر قوة، لكنه يفتقر إلى الإمكانيات المادية.
إذا تركت هذه المعادلة دون رقابة فعالة، تصبح الانتخابات مهددة بالتحول من منافسة بين البرامج والأفكار إلى منافسة بين القدرات المالية.
وهذا بالضبط ما يفترض أن تمنعه منظومة التمويل والرقابة.
الرقابة الرقمية.. سلاح جديد
وهناك جانب آخر لا يمكن تجاهله في انتخابات 2026: الإنفاق الرقمي.
فالحملة الانتخابية لم تعد مقتصرة على الملصقات والتجمعات والزيارات.
هناك الإعلانات الممولة على شبكات التواصل الاجتماعي، إنتاج الفيديوهات، الصفحات والمواقع، المؤثرون، المحتوى المدفوع، والإعلانات الموجهة جغرافياً وفئوياً.
وهذه النفقات تحتاج بدورها إلى مراقبة دقيقة، لأن الإعلان الرقمي يمكن أن يصل إلى آلاف الأشخاص بتكلفة محدودة، ويمكن في الوقت ذاته أن يصعب على المراقب التقليدي تحديد مصدر التمويل والجهة التي تقف وراءه.
ولهذا فإن أي منظومة حديثة لمحاربة المال الانتخابي تحتاج إلى رقابة مالية ورقمية وميدانية في الوقت نفسه.
هل تستطيع اللجان الإقليمية الوصول إلى التفاصيل؟
الرهان هنا على اللجان الإقليمية سيكون كبيراً.
فاللجنة المركزية يمكنها وضع التوجهات وتوحيد منهجية التتبع، لكن الواقع الانتخابي يوجد في الأحياء والدواوير والجماعات والأسواق والمناسبات المحلية.
هناك، تبدأ التفاصيل الصغيرة التي قد تكشف الصورة الكبيرة.
من نظم النشاط؟
من دفع تكاليف النقل؟
كم شخصاً حضر؟
هل تم توزيع مساعدات؟
هل تكرر النشاط في أكثر من منطقة؟
هل ظهر المرشح أو الحزب بشكل مكثف قبل الحملة؟
هل هناك جهة واحدة تمول مجموعة من الأنشطة؟
هل تم استعمال جمعية أو مؤسسة أو شخص وسيط لتمويل نشاط ذي طبيعة انتخابية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد مدى فعالية الرقابة.
المواطن أيضاً جزء من منظومة الرقابة
ولا يمكن تحميل المؤسسات وحدها مسؤولية مراقبة المال الانتخابي.
فالناخب نفسه يستطيع أن يكون مصدراً مهماً للمعلومة، خصوصاً في عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.
صورة أو فيديو أو وثيقة أو إعلان ممول قد تكشف نشاطاً لم يكن معروفاً للجهات الرقابية.
لكن هذا الدور يجب أن يتم في إطار قانوني، بعيداً عن التشهير أو الاتهامات المجانية.
فالقاعدة الأساسية هي: الاشتباه ليس إدانة، والمنافسة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى تصفية حسابات.
المطلوب هو معلومات قابلة للتحقق، وتحقيق مؤسساتي، وقرارات مبنية على القانون.
الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع
الاستحقاق الانتخابي لا يبدأ يوم 23 شتنبر.
بل يبدأ فعلياً منذ اللحظة التي تبدأ فيها الأحزاب والمرشحون بناء شبكاتهم الانتخابية وتحركاتهم السياسية.
ولهذا فإن نزاهة الانتخابات لا ينبغي أن تختزل في مراقبة صناديق الاقتراع أو محاربة الرشوة يوم التصويت.
إنها منظومة تبدأ من التمويل، والمرشح، والحملة، والإعلام، والإنفاق، واستعمال وسائل الدولة، والعلاقات مع الفاعلين المحليين، وتنتهي عند صندوق الاقتراع.
وهنا تتضح أهمية تطوير آليات الرقابة.
فالتدقيق المالي للحسابات خطوة ضرورية، لكنه ليس كافياً بمفرده.
وتفعيل اللجنة المركزية واللجان الإقليمية خطوة أساسية، لكن فعاليتها ستقاس بقدرتها على النزول إلى الميدان.
450 مليون درهم.. والرهان على الثقة
حين تخصص الدولة 450 مليون درهم لتمويل الحملات الانتخابية، فإنها لا تمول الأحزاب فقط، وإنما تستثمر في مبدأ يفترض أن تكون المنافسة السياسية فيه أكثر تكافؤاً وشفافية.
ولهذا فإن كل درهم عمومي يجب أن يكون قابلاً للتتبع، وكل مصروف انتخابي يجب أن تكون له هوية واضحة، وكل مخالفة يجب أن تجد أمامها آلية رقابية فعالة.
والأهم من ذلك أن يشعر المواطن بأن الانتخابات ليست سباقاً بين من يملك المال ومن لا يملكه، وإنما منافسة بين مشاريع وبرامج وكفاءات.
السؤال الذي يسبق 23 شتنبر
في النهاية، يمكن أن تكون القوانين قوية، والدوريات دقيقة، والحسابات مدققة، واللجان مفعلة.
لكن يبقى السؤال:
هل تستطيع اللجان المركزية والإقليمية، بالتنسيق مع باقي المؤسسات الرقابية والقضائية، أن تضبط المال الذي يصرف قبل الانتخابات، وليس فقط المال الذي يظهر في حسابات الأحزاب بعد الانتخابات؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
لأن المال السياسي لا ينتظر دائماً يوم انطلاق الحملة.
وقد لا يأتي دائماً في ظرف مالي واضح أو يحمل اسم «مصاريف انتخابية».
أحياناً يأتي في صورة نشاط اجتماعي، أو لقاء، أو تنقل، أو إعلان رقمي، أو خدمة، أو دعم لمبادرة محلية.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية في انتخابات 23 شتنبر 2026 لن تكون فقط حول من يفوز بالمقاعد، وإنما أيضاً حول قدرة المؤسسات على ضمان أن يكون الطريق إلى تلك المقاعد مفتوحاً أمام الجميع بالشروط نفسها.
فالانتخابات النزيهة تبدأ قبل الحملة، والرقابة الحقيقية تبدأ قبل أن يظهر المال في الحسابات.






