أزمة سبتة تتجاوز إسبانيا وتصل إلى قلب أوروبا.. مدريد تصعّد ضد روما والمغرب يفرض نفسه كقوة إقليمية في معادلة الهجرة والأمن

من سبتة المغربية المحتلة إلى روما ومدريد.. لم تعد تداعيات موجة الهجرة الجماعية الأخيرة التي شهدتها سبتة المحتلة قضية إسبانية-مغربية محضة، بل بدأت تلقي بظلالها على العلاقات بين عواصم أوروبية كبرى، بعدما تحولت إلى شرارة لخلاف مباشر بين إسبانيا وإيطاليا حول مراقبة الحدود وفضاء شنغن، في تطور يكشف مرة أخرى أن ملف الهجرة بات أحد أكثر الملفات حساسية داخل الاتحاد الأوروبي.
فبعدما قررت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني فرض إجراءات مراقبة على بعض المسافرين القادمين من إسبانيا، بحجة المخاوف الأمنية والهجرة غير النظامية، ردت حكومة بيدرو سانشيز بإعلان ضوابط مؤقتة على المسافرين القادمين من إيطاليا عبر المطارات والموانئ الإسبانية.
وتدخل الإجراءات الإسبانية حيز التنفيذ ابتداء من منتصف ليل السبت 8 غشت، وتستمر مبدئياً إلى غاية 7 شتنبر المقبل، وتشمل التحقق من الهوية والجنسية، وفحص التأشيرات أو تصاريح الإقامة بالنسبة إلى مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وهكذا انتقلت أزمة بدأت على الضفة الجنوبية للمتوسط، وتحديداً في محيط سبتة، إلى داخل البيت الأوروبي نفسه.
سبتة.. الشرارة التي كشفت هشاشة المنظومة الأوروبية
ما وقع في سبتة خلال نهاية يوليوز لم يكن موجة عبور عادية.
فقد تحدثت السلطات المحلية الإسبانية عن وصول أعداد استثنائية من الأشخاص إلى المدينة عبر البحر، بينما أشارت تقارير دولية إلى أن آلافاً من المهاجرين حاولوا الوصول إلى سبتة المغربية المحتلة سباحة انطلاقاً من الساحل المغربي.
وفي 29 يوليوز، أعلنت سلطات سبتة أن أكثر من 1500 شخص، بينهم بالغون وقاصرون، وصلوا إلى المدينة بحراً خلال أيام قليلة، وهو رقم وصفته السلطات المحلية بأنه غير معتاد حتى بالنسبة إلى موسم الصيف.
كما شهد يوم 30 يوليوز محاولات جماعية أخرى للعبور، حيث أفادت وكالة الأنباء الإسبانية بوصول أكثر من 800 محاولة سباحة، مع تدخل القوات المغربية والإسبانية، وإنقاذ مئات الأشخاص في البحر، والعثور على جثتين.
لكن أرقاماً أكبر بكثير ظهرت لاحقاً في تصريحات وتقارير أخرى حول حجم الموجة التي شهدتها سبتة، وهو ما يفسر حالة الاستنفار السياسي والأمني التي أعقبتها.
وبغض النظر عن الاختلاف في تقدير العدد الإجمالي، فإن الثابت هو أن حجم الضغط الذي تعرضت له سبتة كان استثنائياً، وأن القضية تجاوزت قدرة المدينة المحدودة على الاستقبال والإيواء والتدبير.
وهنا بدأت المشكلة تتحول من قضية محلية إلى قضية أوروبية.
إسبانيا في مواجهة إيطاليا.. وشنغن يدخل دائرة الاختبار
قرار روما فرض ضوابط على القادمين من إسبانيا لم يكن مجرد إجراء إداري عابر.
فإيطاليا ربطته بمخاوف أمنية وهجرة غير نظامية، بينما اعتبرت مدريد أن استهداف المسافرين الإسبان يضر بمبدأ حرية الحركة داخل فضاء شنغن.
وبعدما رفضت حكومة ميلوني مطالب مدريد برفع الإجراءات، قررت الحكومة الإسبانية الرد بالمثل.
وبذلك أصبح الخلاف بين البلدين يتخذ طابعاً سياسياً وأوروبياً، خصوصاً أن شنغن يقوم في جوهره على إزالة الرقابة على الحدود الداخلية بين الدول المشاركة، مع السماح بإعادة فرض مراقبة مؤقتة في ظروف استثنائية ومبررة.
وقد أوضحت المفوضية الأوروبية أن الدول الأعضاء يمكنها اللجوء إلى إجراءات استثنائية لمواجهة التهديدات الخطيرة للأمن أو النظام العام، لكن عليها إخطار المؤسسات الأوروبية وتبرير الإجراءات.
وهنا تكمن حساسية التطور الحالي.
فإذا تحولت الهجرة إلى سبب دائم لإعادة فرض الحدود الداخلية، فإن ذلك يعني أن واحدة من أهم إنجازات التكامل الأوروبي، أي حرية الحركة داخل فضاء شنغن، تصبح تحت ضغط متزايد.
أزمة سبتة تضع أوروبا أمام سؤال أكبر
المفارقة أن الأزمة التي فجرت الخلاف الأوروبي لم تحدث على الحدود الإيطالية، ولا على الحدود الفرنسية، ولا في البحر المتوسط المركزي، وإنما في سبتة الواقعة جغرافياً في شمال إفريقيا.
وهذا يعكس مدى ارتباط الأمن الأوروبي بالحدود الجنوبية للمغرب.
فالاتحاد الأوروبي ينظر منذ سنوات إلى المغرب باعتباره أحد أهم شركائه في مكافحة الهجرة غير النظامية، ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، وتأمين الحدود، والتعامل مع تدفقات الهجرة عبر غرب المتوسط.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الهجرة غير النظامية والعبور غير القانوني للحدود الخارجية يمثلان تحدياً لنظام اللجوء والهجرة الأوروبي، ليس فقط بالنسبة إلى الدول الموجودة على الحدود الخارجية، وإنما أيضاً بسبب ما تسميه الحركات الثانوية للمهاجرين داخل أوروبا.
وهنا يصبح المغرب لاعباً لا يمكن اختزاله في دور «حارس للحدود».
المغرب.. من دولة جوار إلى شريك استراتيجي
تكشف أزمة سبتة مرة أخرى أن المغرب أصبح رقماً صعباً في معادلة الأمن والهجرة في غرب المتوسط.
فالموقع الجغرافي للمملكة يجعلها نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا، كما يجعلها أحد أهم البلدان في مواجهة شبكات الهجرة غير النظامية القادمة من الساحل وغرب إفريقيا، فضلاً عن كونها بلداً عبوراً واستقراراً بالنسبة إلى عدد من المهاجرين.
وتظهر الأرقام الإسبانية الرسمية حجم هذا الدور.
فبحسب بيانات الأمن القومي الإسباني، بلغ عدد المهاجرين الذين دخلوا الأراضي الإسبانية بشكل غير نظامي منذ بداية السنة وحتى 15 يوليوز 14,479 شخصاً، بانخفاض 25 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.
لكن اللافت أن الدخول غير النظامي عبر الحدود البرية لسبتة ومليلية ارتفع بقوة، إذ بلغ 2,991 حالة، بزيادة 140 في المائة، منها 2,826 في سبتة وحدها، بزيادة بلغت 150 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
وهذا المعطى مهم جداً.
فهو يعني أن الضغط على سبتة لم يظهر من فراغ، وإنما يأتي في سياق تغير في خريطة محاولات العبور، حتى في الوقت الذي كانت فيه أعداد الهجرة غير النظامية الإجمالية إلى إسبانيا تسجل تراجعاً.
المغرب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة
وهنا تبرز حقيقة استراتيجية أساسية:
أوروبا تحتاج المغرب، والمغرب يمتلك بدوره أوراقاً جيوسياسية واقتصادية وأمنية متزايدة.
فالمملكة ليست فقط دولة تقع على بعد كيلومترات قليلة من السواحل الإسبانية، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكاً محورياً في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتجارة والاستثمار والطاقة والربط اللوجستي.
كما أن التعاون المغربي-الإسباني في مجال الهجرة أصبح أحد أعمدة العلاقات الثنائية، وهو ما يجعل أي اضطراب كبير في محيط سبتة ومليلية قابلاً لأن تكون له انعكاسات تتجاوز البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإن التعامل الأوروبي مع المغرب لم يعد قابلاً لأن يقوم على مقاربة أحادية الجانب.
فالرباط لا تتعامل مع ملف الهجرة باعتباره قضية تقنية فقط، وإنما ضمن شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية المرتبطة بعلاقاتها مع أوروبا وإفريقيا.
ما الذي تكشفه أزمة سبتة؟
الدرس الأول هو أن أمن أوروبا يبدأ، في جزء كبير منه، خارج أراضيها.
والدرس الثاني أن الاتحاد الأوروبي، رغم قوته الاقتصادية والمؤسساتية، لا يزال يواجه صعوبة في الوصول إلى سياسة موحدة تجاه الهجرة.
فإسبانيا ترى أن التعاون مع دول الجنوب، وفي مقدمتها المغرب، ضروري لإدارة الحدود.
وإيطاليا، التي تواجه بدورها ضغطاً كبيراً على مسارات الهجرة عبر المتوسط، تتبنى مقاربة أكثر تشدداً في حماية حدودها.
وبين مدريد وروما، تظهر مشكلة أعمق: من يتحمل مسؤولية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومن يتحمل مسؤولية المهاجرين بعد وصولهم، وكيف تمنع الدول الأوروبية انتقالهم من دولة إلى أخرى؟
وهذا بالضبط ما يجعل قضية سبتة أكبر من سبتة.
ميلوني ترفض الضغط.. وسانشيز يرد
الحكومة الإيطالية لم تتعامل مع مطالب مدريد باعتبارها أمراً يمكن تنفيذه تحت الضغط.
وأكدت روما أن إجراءاتها مرتبطة بالأمن الوطني والهجرة غير النظامية، وأنها لن تتراجع عنها لمجرد طلب إسباني.
في المقابل، اعتبرت مدريد أن الإجراءات الإيطالية تستهدف المواطنين الإسبان وتخلق اضطراباً داخل فضاء يفترض أن تقوم الحركة داخله على قواعد مشتركة.
وهكذا أصبح الخلاف يحمل بعداً سياسياً واضحاً بين حكومتين تختلفان أصلاً في عدد من الملفات المتعلقة بالهجرة والأمن والاتحاد الأوروبي.
وتحولت أزمة سبتة إلى عامل إضافي يعمق النقاش الأوروبي حول مستقبل شنغن والهجرة والحدود الداخلية.
لكن هل وصل المهاجرون فعلاً إلى أوروبا؟
هذه نقطة أساسية في قراءة الأزمة.
فالمخاوف الإيطالية والأوروبية من انتقال مهاجرين من سبتة إلى باقي دول الاتحاد يجب وضعها في سياق الوضع القانوني والجغرافي الخاص بالمدينة.
وقد أكدت السلطات الإسبانية أن الأشخاص الذين يدخلون سبتة بشكل غير نظامي لا يحصلون تلقائياً على حق التنقل الحر داخل فضاء شنغن، كما أن الوضع الخاص للمدينة يجعل المسألة مختلفة عن الدخول إلى الأراضي الإسبانية في شبه الجزيرة.
والأهم أن المفوضية الأوروبية لم تسجل، وفق ما نقلته مصادر إعلامية عن موقفها، انتقالاً جماعياً للمهاجرين من سبتة إلى باقي الأراضي الأوروبية.
وهذا يجعل الخلاف الإسباني-الإيطالي مرتبطاً بدرجة كبيرة بالمخاوف الأمنية والسياسية من احتمال انتقال الأشخاص، وليس فقط بما ثبت أنه حدث فعلاً.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في الأزمة: سبتة لم تتحول إلى بوابة مفتوحة نحو باقي أوروبا، لكنها أصبحت مع ذلك سبباً لإعادة التفكير في الرقابة داخل شنغن.
المغرب أمام أوروبا الجديدة
بالنسبة إلى الرباط، تحمل هذه التطورات رسالة استراتيجية واضحة.
فالمغرب لم يعد مجرد دولة مجاورة للاتحاد الأوروبي، بل أصبح جزءاً من الحسابات الأوروبية المرتبطة بالأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
وكلما تصاعدت أزمة الهجرة في غرب المتوسط، عاد الدور المغربي إلى الواجهة.
وهذا يمنح المملكة موقعاً تفاوضياً مهماً، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه مسؤوليات كبيرة، لأن استمرار الضغط على حدودها الشمالية والشرقية والساحلية يفرض تعبئة أمنية وإنسانية وتنموية مستمرة.
كما أن المغرب يواجه تحدياً آخر يتمثل في حماية حدوده ومنع شبكات الاتجار بالبشر من استغلال أوضاع الشباب والمهاجرين، مع ضرورة الحفاظ على البعد الإنساني في التعامل مع الحالات التي تصل إلى الحدود.
أزمة أوروبية أكثر منها مغربية
الخطأ الذي قد تقع فيه بعض القراءات هو اختزال ما يجري في سبتة في العلاقة بين المغرب وإسبانيا فقط.
فالوقائع الأخيرة أظهرت شيئاً مختلفاً.
الأزمة بدأت على حدود المغرب وإسبانيا، لكنها انتقلت إلى مدريد وروما، وأصبحت موضوعاً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأعادت النقاش حول شنغن والحدود الداخلية والسياسة الأوروبية للهجرة.
وهذا يعني أن أوروبا نفسها أصبحت مضطرة إلى مراجعة أدواتها في مواجهة الأزمات المفاجئة.
فلا يمكن لكل دولة أن تعالج الهجرة بمفردها، ولا يمكن أن يتحول كل ضغط على دولة عضو إلى إعادة فرض حدود داخلية، وإلا فإن مشروع التكامل الأوروبي نفسه سيدخل في دائرة من الاستثناءات المتكررة.
المغرب.. قوة إقليمية في محيط مضطرب
في المقابل، تكشف هذه التطورات أن المغرب يتحرك داخل بيئة إقليمية أصبحت أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه يمتلك مجموعة من عناصر القوة التي جعلته طرفاً مركزياً في الحسابات الأوروبية.
الموقع الجغرافي، الاستقرار المؤسساتي، التعاون الأمني، العلاقات المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي، الحضور الإفريقي، والبنية اللوجستية المتطورة، كلها عوامل تمنح المملكة وزناً إقليمياً متزايداً.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تستطيع مدريد، ولا روما، ولا بروكسل تجاهل الرباط عند بحث مستقبل الهجرة في غرب المتوسط.
فالمغرب لا يملك فقط موقعاً جغرافياً استراتيجياً؛ بل أصبح يمتلك قدرة على التأثير في ملفات تتقاطع فيها أوروبا وإفريقيا والمتوسط.
سبتة.. إنذار لأوروبا
المشهد الحالي يحمل رسالة واضحة للاتحاد الأوروبي:
إذا لم تتمكن الدول الأعضاء من بناء سياسة موحدة وواقعية للهجرة، فإن الأزمات ستنتقل من الحدود الخارجية إلى الحدود الداخلية.
وإذا لم تتم معالجة جذور الهجرة، بما فيها الفقر والبطالة وشبكات الاتجار بالبشر وعدم الاستقرار في بعض مناطق إفريقيا، فإن الإجراءات الأمنية وحدها لن تكون كافية.
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن أزمة سبتة أكدت مرة أخرى أن أي سياسة أوروبية في غرب المتوسط تحتاج إلى شراكة حقيقية مع الرباط، وليس فقط إلى مطالب أمنية أو إجراءات ظرفية.
فالرباط أصبحت شريكاً في الأمن الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه قوة إقليمية لها مصالحها وحساباتها وأولوياتها.
وبين ضفتي المتوسط، تتشكل اليوم معادلة جديدة: أوروبا تحتاج إلى المغرب بقدر ما تحتاج إلى حماية حدودها، والمغرب يحتاج إلى أوروبا كشريك اقتصادي واستراتيجي، لكن قواعد العلاقة لم تعد هي نفسها التي كانت قبل سنوات.
الخلاصة
من سبتة إلى مدريد وروما، تتضح الصورة أكثر: أزمة الهجرة لم تعد أزمة حدود فقط، بل أصبحت أزمة أوروبية متعددة الأبعاد.
إسبانيا تريد حماية حدودها دون التضحية بحرية الحركة داخل شنغن، وإيطاليا تريد تشديد الرقابة باسم الأمن، والمفوضية الأوروبية تحاول الحفاظ على قواعد فضاء أوروبي مفتوح، فيما يبقى المغرب في قلب المعادلة بحكم موقعه ودوره الأمني والاستراتيجي.
ولهذا، فإن أزمة سبتة قد تكون واحدة من تلك اللحظات التي تعيد رسم قواعد اللعبة في غرب المتوسط.
فالمغرب لم يعد مجرد بوابة جنوبية لأوروبا، بل تحول إلى قوة إقليمية وشريك لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والهجرة والاستقرار، بينما بدأت أزمة سبتة تكشف أن الخلاف الحقيقي لم يعد فقط حول من يراقب الحدود، وإنما حول مستقبل الحدود الأوروبية نفسها.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة ليس فقط: هل ستتراجع إيطاليا أم إسبانيا عن إجراءاتها؟
بل السؤال الأعمق هو: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي بناء سياسة موحدة للهجرة قبل أن تتحول كل أزمة جديدة على حدوده الخارجية إلى أزمة داخلية بين دوله؟






