قضايا

أوروبا ترفع حالة التأهب.. المسيّرات والتخريب والهجمات السيبرانية تفتح جبهة جديدة في الحرب الروسية الأوكرانية

دخلت أوروبا خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة من الاستنفار الأمني، بعدما انتقلت المخاوف المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية من ساحات القتال المباشرة إلى سيناريوهات أوسع تشمل المسيّرات، والهجمات السيبرانية، والتجسس، والتخريب، والتضليل واستهداف المنشآت والبنى التحتية الحيوية.

ولا يتعلق الأمر بقرار أوروبي موحد بإعلان حالة طوارئ، وإنما بسلسلة متزامنة من التحذيرات والإجراءات في دول عدة، من بولندا وألمانيا وفرنسا إلى سويسرا، بالتوازي مع تشديد حلف شمال الأطلسي لاستعداداته المدنية والعسكرية لمواجهة ما يسميه تصاعد الهجمات الهجينة.

بولندا تحذر من انتقال الهجمات إلى أراضي الناتو

كان التحذير الأكثر وضوحاً صادراً من رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الذي تحدث أمام البرلمان في 17 شتنبر عن معطيات استخباراتية قال إنها تشير إلى احتمال تنفيذ هجمات هجينة باستخدام المسيّرات والصواريخ ضد دول تساند أوكرانيا، من بينها بولندا.

وبحسب توسك، فإن أحد السيناريوهات التي تستعد لها وارسو يتمثل في دخول مسيّرات أو مقذوفات إلى أراضي دول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، وإحداث أضرار ثم تقديم الحادث على أنه عرضي، بما قد يضع الدول الأوروبية أمام معضلة الرد على عمل يصعب في بدايته تحديد طبيعته ومصدره بشكل قاطع.

وتأتي هذه التحذيرات في سياق رفع بولندا جاهزيتها الأمنية، بعدما أعلنت حكومتها في 13 شتنبر أن الأسابيع والأشهر المقبلة قد تشهد تصعيداً في الأنشطة الروسية، مع تعزيز عمل الأجهزة المختصة وتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود والبنية التحتية.

ألمانيا.. مطار لايبزيغ يحول التهديد الهجين إلى ملف أمني مباشر

في ألمانيا، أخذت المخاوف بعداً أكثر تحديداً عقب حادثة مطار لايبزيغ/هاله في 4 غشت الماضي، حين عثرت السلطات على مسيّرات مرتبطة بمواد متفجرة بالقرب من منشآت حساسة وطائرات شحن.

وفي 4 شتنبر، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً تحميل روسيا مسؤولية الهجوم الهجين، مستندة، بحسب برلين، إلى نمط العملية والتحقيقات الجنائية والمعطيات الاستخباراتية. وأكدت الحكومة أن ألمانيا ستتعامل مع التهديد بحزم، مع الحفاظ على مستوى من ضبط التصعيد.

ولم تتوقف الإجراءات الألمانية عند ذلك، إذ عقد مجلس الأمن القومي اجتماعاً جديداً في 14 شتنبر، وخلص إلى أن ألمانيا لا تزال مستهدفة بهجمات هجينة روسية، قبل أن يقرر خطوات جديدة لمواجهة التجسس والتخريب وتعزيز حماية البنى التحتية الحيوية، فضلاً عن مراجعة قضايا الدفاع العسكري والمدني والأبعاد الأمنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه التطورات تحولاً مهماً في مفهوم الأمن الأوروبي، إذ لم تعد المطارات والمنشآت العسكرية وحدها ضمن قائمة الأهداف المحتملة، بل أصبحت شبكات الطاقة والاتصالات والنقل والمياه وسلاسل الإمداد جزءاً من الحسابات الأمنية الجديدة.

فرنسا ترفع مستوى اليقظة وتستعد لحماية المنشآت الحيوية

في فرنسا، انتقل الملف إلى أعلى المستويات السياسية والأمنية في 18 شتنبر، عندما عقد الرئيس إيمانويل ماكرون اجتماعاً مع قادة الأحزاب الممثلة في البرلمان، بحضور مسؤولي أجهزة الاستخبارات والأمن والدفاع.

وأعلن ماكرون أن التهديدات الهجينة الروسية تصاعدت، وأعطى تعليماته برفع مستوى اليقظة وحماية البنى التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة، خصوصاً أمام مخاطر الهجمات السيبرانية وهجمات المسيّرات، إلى جانب تسريع الإجراءات المرتبطة بمواجهة التدخلات الأجنبية. كما طلب إعداد خطة لحماية المنشآت الحيوية والمواقع الحساسة المرتبطة بالصناعة الدفاعية.

وبذلك، باتت فرنسا تتعامل مع احتمال انتقال الحرب إلى المجال غير التقليدي باعتباره تحدياً أمنياً متعدد الأبعاد، لا يقتصر على الصواريخ والطائرات والقوات المسلحة.

سويسرا تدخل هي الأخرى على خط الاستعداد

حتى سويسرا، التي لا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي، أعلنت في 18 شتنبر اعتماد استراتيجيتها للأمن لعام 2026 في ظل ما وصفه المجلس الفدرالي بتدهور البيئة الأمنية الأوروبية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والتهديدات الهجينة والتبعيات الحيوية.

وتتضمن الاستراتيجية عشرة أهداف و46 إجراء، تركز على تعزيز قدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على الصمود، وتحسين حماية السكان والمنشآت الحيوية وتقوية القدرات الدفاعية. وتعتبر السلطات السويسرية الهجمات السيبرانية والتضليل والتجسس والتخريب جزءاً من بيئة التهديد الجديدة.

وفي الوقت نفسه، تميز الاستراتيجية السويسرية بين الاستعداد والإنذار، إذ تشير إلى أن هجوماً مسلحاً مباشراً وشاملاً على سويسرا غير مرجح في المستقبل المنظور، مع التأكيد على أن البلاد قد تتعرض رغم ذلك لهجمات بعيدة المدى باستخدام المسيّرات أو الصواريخ.

الناتو يعيد تعريف مفهوم الجاهزية

الأكثر دلالة أن التحرك لم يعد محصوراً في الحكومات الوطنية، فقد نشر حلف شمال الأطلسي في 17 شتنبر وللمرة الأولى بشكل علني متطلبات أساسية جديدة لتعزيز قدرة الدول الأعضاء على الصمود أمام الأزمات والهجمات.

وتشمل هذه المتطلبات ضمان استمرار خدمات الطاقة والمياه والغذاء والرعاية الصحية والاتصالات، وإعداد خطط للطوارئ، وحماية سلاسل الإمداد، وتعزيز التعاون بين المؤسسات المدنية والعسكرية والقطاع الخاص. ويؤكد الناتو أن الهجمات الهجينة التي تستهدف المجتمعات والبنى التحتية والشبكات الرقمية أصبحت أكثر تكراراً، ما يجعل الصمود المدني جزءاً أساسياً من الدفاع الجماعي.

وهذا التطور يحمل دلالة كبيرة، لأن الدفاع في التصور الجديد لم يعد يبدأ عند الحدود، وإنما داخل محطات الكهرباء والمياه والمطارات وشبكات الاتصالات والمستشفيات وسلاسل الإمداد ومراكز البيانات.

بريطانيا تستعد لاضطرابات طويلة الأمد

وفي بريطانيا، تتجه السلطات أيضاً إلى تعزيز مفهوم الصمود الوطني، من خلال تحديث معايير الاستعداد للطوارئ وتعزيز قدرة السلطات المحلية والمجتمعات على التعامل مع الأزمات، إلى جانب التحضير لحملات توعية عامة حول الاستعداد الأسري والمجتمعي للاضطرابات. وتواصل الحكومة تطوير معايير وطنية للصمود وتقييم القدرات اللازمة للاستجابة والتعافي من الأزمات.

وبذلك يظهر أن التحرك الأوروبي لا يقوم فقط على زيادة القدرات العسكرية، بل يشمل أيضاً إعداد المجتمع المدني للتعامل مع انقطاع الخدمات أو اضطراب سلاسل الإمداد أو تعرض البنى الرقمية لهجمات.

من الحرب التقليدية إلى “المنطقة الرمادية”

المشهد الأوروبي الجديد يرتبط بما أصبح يعرف بالحرب الهجينة، وهي نمط من الصراع لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان حرب أو إرسال قوات عسكرية إلى أراضي الخصم.

وقد تشمل أدواته هجمات سيبرانية، وعمليات تجسس، وتخريباً لمنشآت حيوية، وهجمات بالمسيّرات، وحملات تضليل وتأثير، وضغوطاً اقتصادية، وعمليات سرية يصعب في بدايتها تحديد الجهة المسؤولة عنها بشكل قاطع.

وتكمن خطورة هذا النوع من العمليات في أنه يتحرك في مساحة بين السلم والحرب، بما يجعل تحديد لحظة الانتقال إلى مواجهة عسكرية مفتوحة أمراً بالغ الحساسية، وهو ما يفسر تركيز المؤسسات الأوروبية والناتو على القدرة على اكتشاف الهجمات واحتوائها واستعادة الخدمات بسرعة.

أوروبا تستعد لأسوأ الاحتمالات.. من دون إعلان أن الحرب انتقلت إليها

المؤشرات الحالية لا تعني أن حرباً روسية مباشرة مع دول حلف شمال الأطلسي قد بدأت، كما لا تعني أن هجوماً واسعاً على أوروبا أصبح أمراً محسوماً. لكن توالي الإجراءات والتحذيرات في عدد من الدول خلال فترة زمنية قصيرة يكشف أن الحكومات الأوروبية باتت تتعامل مع احتمال اتساع نطاق التهديدات غير التقليدية بجدية أكبر.

وقد تبنى الاتحاد الأوروبي بدوره موقفاً أكثر تشدداً عقب حادثة مطار لايبزيغ، معتبراً أن التخريب واضطراب البنى التحتية والتدخلات المعلوماتية والانتهاكات المتكررة للمجال الجوي أصبحت جزءاً من بيئة أمنية متغيرة.

في المقابل، ترفض موسكو الاتهامات الغربية بشأن مسؤوليتها عن هذه العمليات، وتنفي استهداف الدول الأوروبية أو ممارسة حملات تهديد وتخريب ضدها. وقد وصفت روسيا الاتهامات الموجهة إليها بأنها بلا أساس، في وقت تستمر فيه العواصم الأوروبية في بناء خططها الأمنية على أساس التعامل مع التهديدات التي تعتبرها محتملة أو متصاعدة.

وهكذا تبدو أوروبا أمام مرحلة أمنية مختلفة: ليست حرباً شاملة على أراضيها، لكنها أيضاً لم تعد تتعامل مع أمنها بمنطق السلم التقليدي. فالمسيّرة الصغيرة، والهجوم السيبراني، وتعطيل شبكة كهرباء أو اتصالات، واستهداف منشأة نقل أو سلسلة إمداد، يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط ذات أثر استراتيجي كبير، وهو ما يدفع العواصم الأوروبية إلى إعادة بناء مفهوم الأمن على أساس الاستعداد للصدمة، وحماية البنية التحتية، ورفع قدرة الدولة والمجتمع على الصمود أمام أزمات قد تبدأ من دون إعلان حرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى