قضايا

24 غشت.. القضاء المغربي على موعد مع مرحلة جديدة في ظل دخول قانون المسطرة المدنية حيز التنفيذ

تدخل العدالة المغربية، ابتداء من 24 غشت 2026، مرحلة جديدة مع دخول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، في تحول تشريعي واسع لا يقتصر على تعديل بعض الإجراءات والآجال، وإنما يمتد إلى مختلف مراحل التقاضي، من لحظة وضع الدعوى وتبليغ الأطراف، مروراً بالاختصاص والطعون، وصولاً إلى تنفيذ الأحكام والاتجاه نحو رقمنة عدد متزايد من المساطر القضائية.

ويأتي هذا التحول بعد مرور ستة أشهر على نشر القانون بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، تنفيذاً للظهير الشريف الصادر في 11 فبراير من السنة نفسها، ليجد القضاء المغربي نفسه أمام ورش تشريعي كبير يفرض على المحاكم والقضاة والمحامين ومختلف مساعدي العدالة التأقلم مع قواعد جديدة ستغير، في عدد من الجوانب، طريقة تدبير الملفات والقضايا.

ولا يتعلق الأمر هنا بتعديل تقني محدود، وإنما بإعادة ترتيب أجزاء أساسية من العلاقة بين المتقاضي والمحكمة، وبمحاولة الانتقال من مساطر ظلت لسنوات مرتبطة بالوثيقة الورقية والإجراءات التقليدية إلى نموذج أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والتدبير الرقمي.

تعبئة قضائية قبل موعد التطبيق

ومع اقتراب موعد 24 غشت، دخلت مختلف مكونات منظومة العدالة مرحلة الاستعداد العملي لتنزيل المقتضيات الجديدة.

وفي هذا الإطار، تم توجيه مسؤولي المحاكم إلى اتخاذ التدابير اللازمة قبل دخول القانون حيز التنفيذ، مع تعميم مضامينه على القضاة وتنظيم لقاءات تأطيرية وموائد مستديرة وندوات علمية لتدارس المستجدات.

والرهان هنا لا يتعلق فقط بفهم النص القانوني، وإنما أيضاً بمحاولة بناء ممارسة قضائية موحدة منذ الأشهر الأولى للتطبيق، تفادياً لتباين التأويلات والإجراءات بين المحاكم.

كما يبرز توجه نحو التتبع المستمر للصعوبات التي ستظهر ميدانياً، ورصد الممارسات التي يمكن اعتمادها كنماذج ناجحة، وهو أمر بالغ الأهمية في قانون بهذا الحجم، لأن الاختبار الحقيقي لأي تشريع لا يبدأ عند نشره، وإنما عند دخوله إلى قاعات المحاكم وملفات المتقاضين.

الدعوى أمام مسار جديد

من أبرز الملفات التي سيطالها التغيير مسطرة رفع الدعوى وتدبير الخصومة.

فالقانون الجديد وضع مقتضيات أكثر تفصيلاً بشأن تقييد القضايا وتدبيرها، مع تعزيز الدور التدبيري للمحكمة منذ تسجيل الدعوى إلى غاية تجهيزها وإصدار الحكم.

واللافت أن المشرع فتح الباب أمام إيداع مقال الدعوى إلكترونياً إلى جانب الإيداع الورقي، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو ترسيخ المحكمة الرقمية.

وهنا يكمن أحد أكبر تحديات المرحلة المقبلة: فنجاح الرقمنة القضائية لن يقاس فقط بوجود منصة إلكترونية، وإنما بقدرتها على العمل بكفاءة، وسهولة استعمالها من طرف المحامين والمتقاضين، وربطها بمختلف الأنظمة المعلوماتية، وضمان أمن المعطيات واستمرارية الخدمة.

بمعنى آخر، فإن التحول الرقمي لن ينجح بمجرد نقل الورقة إلى شاشة، وإنما عندما يصبح المسار القضائي أكثر سرعة ووضوحاً وأقل كلفة وتعقيداً.

التبليغ القضائي.. تغييرات تمس المتقاضي مباشرة

من أكثر المستجدات التي ستلامس الحياة اليومية للمتقاضين إعادة تنظيم مسطرة التبليغ.

فالقانون الجديد يمنع إجراء التبليغ قبل الساعة السابعة صباحاً وبعد الساعة العاشرة ليلاً، باستثناء حالات الضرورة وبإذن قضائي.

كما وسع الأماكن التي يمكن أن يتم فيها تسليم الاستدعاء، بحيث لا يقتصر الأمر على الموطن فقط، وإنما يشمل الموطن الحقيقي أو المختار، ومحل الإقامة، ومقر العمل، ومقر المحكمة، أو أي مكان يوجد فيه الشخص المعني.

وهو تغيير يعكس رغبة المشرع في تجاوز عدد من الإشكالات العملية التي كانت تواجه إجراءات التبليغ، والتي طالما شكلت إحدى نقاط التعثر في المساطر القضائية.

كما تم تشديد البيانات الواجب تضمينها في الاستدعاءات وشهادات التسليم، إلى جانب تعديلات مرتبطة بالحالات التي كان يتم فيها اللجوء إلى مسطرة “القيم”.

وفي هذا السياق، يبرز اعتماد العنوان المستخرج من قاعدة بيانات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية في بعض الحالات، بما يعكس محاولة ربط المسطرة القضائية بالمعطيات الرقمية الرسمية.

التبليغ الإلكتروني يدخل مرحلة أكثر تقدماً

ويمتد التحول الرقمي أيضاً إلى التبليغات الإلكترونية.

فإدارات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وباقي أشخاص القانون العام ستكون مطالبة بالإدلاء، عبر المنصة الإلكترونية، بعناوينها الإلكترونية وأرقام هواتفها لتسهيل التواصل والتبليغ القضائي.

كما يمكن للأشخاص الذاتيين والمعنويين في القطاع الخاص اعتماد الوسيلة الإلكترونية عند قبولهم الصريح بذلك.

وهذا التطور قد يساهم مستقبلاً في تقليص الزمن الذي تستغرقه بعض الإجراءات، لكنه في المقابل يفرض شروطاً صارمة تتعلق بحماية المعطيات، وإثبات التوصل، وضمان الحجية القانونية للإشعار الإلكتروني.

الاختصاص القضائي.. حدود جديدة أمام المحاكم

ولم يترك القانون الجديد قواعد الاختصاص بمنأى عن التغيير.

فقد حدد الاختصاص القيمي للمحاكم الابتدائية في بعض القضايا في حدود 10 آلاف درهم، مع الإبقاء على إمكانية الاستئناف عندما تكون الطلبات غير محددة القيمة أو تتجاوز هذا المبلغ.

كما منح المحاكم الابتدائية صلاحية النظر في بعض المنازعات التجارية التي لا تتجاوز قيمتها 80 ألف درهم في المناطق التي لا توجد بها محكمة تجارية أو قسم متخصص.

وفي مجال أوامر الأداء الناتجة عن معاملات تجارية، حدد القانون نطاقاً يتراوح بين 5 آلاف و80 ألف درهم.

وتكتسي هذه المقتضيات أهمية عملية، لأنها ترسم حدود تدخل المحاكم وتحدد الجهة القضائية التي ينبغي على المتقاضي التوجه إليها، بما قد يساعد على تقليص بعض حالات الإحالة والتنازع حول الاختصاص.

القضاء المغربي أمام قواعد أكثر وضوحاً في المنازعات الدولية

ومن المستجدات اللافتة أن القانون نظم، بصورة أكثر تفصيلاً، الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم المغربية.

فقد شملت المقتضيات الدعاوى المرفوعة ضد مغربي، حتى في حالة عدم توفره على موطن أو محل إقامة بالمغرب، إلى جانب الدعاوى الموجهة ضد أجنبي يتوفر على موطن أو محل إقامة بالمملكة.

كما وضع القانون حالات محددة يمكن فيها النظر في دعاوى ضد أجانب غير مقيمين بالمغرب، مع استثناءات مرتبطة ببعض النزاعات المتعلقة بعقارات موجودة خارج المملكة.

ويكتسي هذا الجانب أهمية متزايدة في ظل توسع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة مع الخارج، وارتفاع عدد المنازعات التي أصبح فيها عنصر أجنبي طرفاً مباشراً أو غير مباشر.

الطعون.. آليات استثنائية للرقابة على الأحكام

وفي باب الطعون، جاء القانون بمقتضيات جديدة لضبط الأحكام التي لا تقبل الاستئناف.

ومن بين الحالات التي يمكن أن تفتح الباب أمام آليات الطعن الاستثنائية وجود خروقات من قبيل تجاوز الاختصاص، أو الحكم بما لم يطلبه الأطراف، أو إغفال البت في أحد الطلبات، أو عدم التحقق من التبليغ، أو وجود تناقض بين أجزاء الحكم، فضلاً عن حالات التدليس أثناء التحقيق في الدعوى.

غير أن هذه الآلية لا تعني فتح باب عام للطعن في جميع الأحكام، وإنما تمثل وسيلة استثنائية للرقابة القضائية عندما تتوفر الشروط التي حددها القانون.

كما منح القانون، وفق ضوابط محددة، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إمكانية إصدار أمر كتابي يتيح طلب التصريح ببطلان مقرر قضائي مخالف للنظام العام، داخل أجل قد يصل إلى خمس سنوات من تاريخ اكتسابه قوة الشيء المقضي به، عندما يثبت صدوره بناء على تزوير أو وسائل تدليسية أو غش.

وهو مقتضى يكشف عن رغبة واضحة في تحصين العدالة من آثار الأحكام التي تكون قد بنيت على وسائل غير مشروعة.

التنفيذ القضائي.. الوجه الأكثر حساسية للإصلاح

إذا كان التقاضي يمثل بداية رحلة المتقاضي داخل المحكمة، فإن التنفيذ يمثل نهايتها.

ولهذا يحتل التنفيذ القضائي موقعاً مركزياً في القانون الجديد.

فالمشرع أعاد تنظيم اختصاصات قاضي التنفيذ ومساطر تنفيذ الأحكام والحجوز والبيع، مع إدماج النظام المعلوماتي في مراحل مختلفة من العملية.

والغاية الأساسية واضحة: ألا يبقى الحكم القضائي مجرد وثيقة قانونية، وإنما أن يتحول إلى حق فعلي يحصل عليه صاحبه داخل آجال معقولة.

ومن المستجدات منح رئيس المحكمة صلاحية البت في صعوبات التنفيذ الوقتية، مع إمكانية منح مهل استرحامية لا يتجاوز مجموعها شهرين، بينما تم توسيع اختصاصات قاضي التنفيذ في الإشراف على عمليات التنفيذ والحجز والبيع.

المزادات الإلكترونية.. خطوة نحو شفافية أكبر

ومن المقتضيات التي تحمل بعداً رقمياً واضحاً السماح بالمشاركة في المزادات العلنية عن بعد بواسطة المنصة الإلكترونية، وذلك بعد صدور النص التنظيمي الذي سيحدد شروط وكيفيات هذه العملية.

ومن شأن هذه الخطوة، إذا تم تنفيذها بالشكل الملائم، أن توسع قاعدة المشاركين في المزادات، وتحسن مستوى الشفافية، وتحد من بعض الإشكالات المرتبطة بالحضور المادي والوثائق الورقية.

كما أتاح القانون، في ظروف معينة، إمكانية تخفيض الثمن الافتتاحي للعقار إذا تعذر بيعه، على ألا يتجاوز التخفيض 30 في المائة وألا يقل عن 10 في المائة مقارنة بالمبلغ المحدد في آخر خبرة.

وهو مقتضى يستهدف معالجة إحدى الإشكالات العملية التي تظهر عندما تفشل عمليات البيع بسبب ارتفاع الثمن الافتتاحي مقارنة بظروف السوق.

أموال الدولة والجماعات الترابية.. حماية قانونية من الحجز

ومن الملفات التي تحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى الإدارات العمومية والجماعات الترابية، المقتضيات المرتبطة بتنفيذ الأحكام ضد أشخاص القانون العام.

فالقانون وسع الحالات التي يتعين فيها إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعاوى المرتبطة بأشخاص القانون العام، كما كرس حماية أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها من الحجز التنفيذي والحجز لدى الغير.

وهذا المقتضى سيكون له أثر مباشر على طريقة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة والجماعات والمؤسسات العمومية، ويعكس خصوصية الأموال العمومية وطبيعة تدبيرها.

وفي المقابل، تظل الدولة مطالبة باحترام الأحكام القضائية وتنفيذ ما يترتب عليها وفق الآليات القانونية، بما يحقق التوازن بين حماية المال العام وضمان فعالية الأحكام.

نزع الملكية.. تقليص أجل المطالبة

وفي مجال نزع الملكية، تم تقليص أجل المطالبة بتقدير زائد القيمة من ثماني سنوات إلى أربع سنوات.

ومن شأن هذا التعديل أن يؤثر بصورة مباشرة على عدد من المنازعات المرتبطة بالتعويضات وعمليات نزع الملكية، كما سيجعل تدبير هذه الملفات أكثر ارتباطاً بالآجال القانونية الجديدة.

وهو ما يستوجب من المتضررين والإدارات والجماعات على حد سواء الانتباه إلى الآجال الجديدة وعدم التعامل مع المساطر وفق القواعد السابقة.

أمام المحاكم اختبار حقيقي

مع اقتراب 24 غشت 2026، لا يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن في دخول القانون حيز التنفيذ من الناحية الشكلية، وإنما في كيفية تنزيله على أرض الواقع.

فالقانون يضع قواعد جديدة للتقاضي والتبليغ والاختصاص والطعن والتنفيذ، ويمنح الرقمنة مساحة أوسع، ويعيد ترتيب عدد من الأدوار داخل منظومة العدالة.

لكن نجاح هذا الورش سيقاس بما سيشعر به المتقاضي والمحامي داخل المحكمة: هل ستتقلص آجال الملفات؟ هل ستصبح إجراءات التبليغ أكثر فعالية؟ هل ستتراجع صعوبات التنفيذ؟ هل ستعمل المنصات الإلكترونية بكفاءة؟ وهل ستتجه الممارسة القضائية نحو قدر أكبر من التوحيد؟

هذه هي الأسئلة التي سيجيب عنها التطبيق العملي خلال الأشهر الأولى.

فالقانون رقم 58.25 لا يغير فقط بعض فصول المسطرة المدنية، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة بين المتقاضي والمحكمة، وبين الحكم وتنفيذه، وبين المسطرة الورقية والمنظومة الرقمية.

وبذلك، سيكون 24 غشت موعداً لبداية اختبار جديد لمنظومة العدالة المغربية؛ اختبار لا يتعلق بمدى جودة النص التشريعي وحده، وإنما بقدرة المحاكم والقضاة والمحامين ومساعدي القضاء والإدارة القضائية على تحويل مقتضياته إلى ممارسة ناجعة، واضحة وسريعة.

فالعدالة لا تكتمل بمجرد صدور الحكم، وإنما عندما يصل الحق إلى صاحبه، وفي أجل معقول، وبمسطرة واضحة، وهو الرهان الأكبر الذي سيضعه قانون المسطرة المدنية الجديد أمام القضاء المغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى