سياسة

فاس تدخل مرحلة جديدة من التأهيل.. خالد آيت طالب يقود جولات ميدانية ويعبّئ مختلف المتدخلين لإعادة الاعتبار للأحياء والمرافق والفضاءات العمومية

تعيش مدينة فاس على وقع دينامية جديدة في تدبير أوراشها التنموية، يقودها والي جهة فاس-مكناس، خالد آيت طالب، من خلال حضور ميداني متزايد داخل مختلف أحياء العاصمة العلمية، والوقوف بشكل مباشر على مظاهر الخصاص، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية أو المرافق الاجتماعية والرياضية أو الحدائق والإنارة والنظافة والأسواق والمرافق العمومية.

وتكشف المعطيات المتوفرة خلال الأيام الأخيرة أن المقاربة التي يجري اعتمادها لا تركز فقط على المشاريع الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي، وإنما تتجه بشكل متوازٍ نحو إعادة تأهيل المجال الحضري من الداخل، والاشتغال على تفاصيل الحياة اليومية للسكان، خصوصاً في الأحياء الشعبية والمناطق التي راكمت لسنوات مظاهر من النقص أو التهميش.

وفي هذا السياق، قاد والي الجهة في وقت سابق جولة ميدانية موسعة شملت عدداً من الشوارع والساحات الحيوية بفاس، وانطلقت الجولة من مقر الولاية في اتجاه أحياء المقاطعات الستة، مع الوقوف على وضعية الفضاءات الحضرية ومختلف مظاهر التأهيل المطلوبة.

ولا تبدو هذه الجولات مجرد زيارات بروتوكولية، وإنما تندرج في تصور يقوم على المعاينة المباشرة للواقع، تحديد مكامن الخصاص، ثم توجيه مختلف المصالح والمتدخلين نحو معالجة الاختلالات وتسريع المشاريع.

من المشاريع الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية

اللافت في الدينامية الحالية أن ورش فاس لم يعد محصوراً في الطرق الكبرى والمحاور الاستراتيجية، بل بدأ يتجه تدريجياً نحو الأحياء والمرافق التي تشكل صلة مباشرة بين المواطن والمدينة.

فالساكنة لا تقيس جودة المدينة فقط بسرعة إنجاز طريق مداري أو شارع رئيسي، وإنما أيضاً بحالة الحديقة القريبة من منزلها، وجودة الإنارة العمومية، ونظافة الشوارع، وتوفر ملعب للقرب، وصيانة القاعة الرياضية، ووجود مدرسة قريبة من الأطفال، وفتح مركز صحي أو مستوصف يقدم الخدمات الأساسية.

ومن هنا تأتي أهمية الجولة الميدانية التي يقودها خالد آيت طالب، باعتبارها محاولة لانتقال الإدارة الترابية من منطق تدبير الملفات من المكاتب إلى المعاينة الميدانية للمدينة وأحيائها، والبحث عن حلول عملية للخصاص المسجل على الأرض.

وتشير المعطيات المتداولة في محيط تدبير الشأن الترابي بفاس إلى توجه نحو إعداد وتنزيل مشاريع جديدة تستهدف بالدرجة الأولى الفئات الهشة والشباب، وتأهيل الأحياء التي لا تزال تعاني نقصاً في بعض التجهيزات الأساسية، وإعادة الاعتبار للمرافق الاجتماعية التي يفترض أن تكون في صلب سياسة القرب.

الحدائق والملاعب.. استرجاع الفضاء العمومي

ومن بين الملفات التي ينتظر أن تحظى باهتمام أكبر، وضعية عدد من الحدائق والمساحات الخضراء التي تعرض بعضها خلال السنوات الماضية للإهمال أو ضعف الصيانة.

فالحديقة في المدينة ليست مجرد مساحة مزروعة، وإنما فضاء اجتماعي وترفيهي، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والأسر وكبار السن.

ولهذا، فإن إعادة تأهيل الحدائق، وإعادة فتح الفضاءات التي تحتاج إلى إصلاح، وضمان صيانتها بصورة مستمرة، يمكن أن تشكل جزءاً مهماً من إعادة بناء علاقة المواطن بالفضاء العمومي.

والأمر نفسه ينطبق على ملاعب القرب التي تحتاج، في عدد من المواقع، إلى التأهيل والصيانة المستمرة، بعدما أصبحت هذه المرافق جزءاً أساسياً من البنية الاجتماعية للأحياء، وخصوصاً بالنسبة إلى الشباب.

وتشير المعطيات الوطنية أيضاً إلى استمرار النقاش حول تعميم ملاعب القرب وتحسين عرض المرافق الرياضية، بما يؤكد أن هذا الملف أصبح جزءاً من السياسات العمومية الموجهة للشباب.

وبالنسبة إلى فاس، فإن الرهان لا ينبغي أن يتوقف عند بناء الملعب، وإنما يتطلب فتح المرافق أمام الشباب، وصيانتها، وحمايتها من التدهور، وضمان استمراريتها.

كما ينتظر أن يشمل هذا الورش عدداً من القاعات المغطاة والمرافق الرياضية التي تحتاج بدورها إلى التأهيل والصيانة حتى تستعيد وظائفها الطبيعية وتتحول إلى فضاءات حقيقية لممارسة الرياضة.

«فاس الجهة للتهيئة».. الذراع التنفيذي لتسريع الأوراش

وفي قلب هذه الدينامية تبرز شركة فاس الجهة للتهيئة باعتبارها أحد الفاعلين التنفيذيين الرئيسيين في تنزيل وتتبع عدد من المشاريع التي تعرفها العاصمة العلمية.

فالشركة أصبحت حاضرة في عدد متزايد من الأوراش، سواء من خلال القيام بمهام صاحب المشروع المنتدب في مشاريع محددة، أو تتبع الدراسات، أو مواكبة الإنجاز، أو التنسيق مع مختلف المتدخلين.

وقد ظهر هذا الدور بشكل واضح في مشاريع مهيكلة مثل الطريق المداري لفاس، الذي انطلقت أشغاله ضمن تصور لإعادة هيكلة الشبكة الطرقية وربط عدد من المحاور الرئيسية للمدينة.

كما تواصل شركة فاس الجهة للتهيئة حضورها في الأوراش المرتبطة بتأهيل عدد من الشوارع والمحاور، ومن بينها شارع المرينيين، الذي دخل مرحلة جديدة من التهيئة في سياق أوسع لإعادة تأهيل المجال الحضري.

وهنا تكمن أهمية الشركة في المرحلة المقبلة: أن تتحول من مجرد جهاز لتتبع المشاريع إلى ذراع تنفيذي فعلي قادر على ضمان التنسيق والسرعة والجودة وربط مختلف الأوراش ضمن رؤية واحدة للمدينة.

كما أن إسناد عدد من المشاريع إلى شركة فاس الجهة للتهيئة يسمح، من الناحية العملية، بتجميع جزء من عمليات التتبع والمواكبة التقنية، بدل تشتت المشاريع بين عدد كبير من المتدخلين.

ويؤكد مسار الأشهر الأخيرة أن شركة فاس الجهة للتهيئة أصبحت طرفاً أساسياً في المشهد التنموي الجديد لفاس، خصوصاً مع اتساع دائرة المشاريع التي تتطلب دراسات تقنية دقيقة وتتبعاً ميدانياً ومراقبة لمراحل التنفيذ.

ومن المشاريع التي تعكس هذا الدور أيضاً مشروع «مركز الأعمال فاس-سايس»، الذي أطلقت بشأنه الشركة، بصفتها صاحب المشروع المنتدب، مسطرة لإعداد التصور الهندسي وتتبع أشغال الإنجاز، وهو مشروع يستهدف دعم الأنشطة الاقتصادية وريادة الأعمال والشباب.

أسواق القرب.. تنظيم التجارة وإعادة الاعتبار للباعة

ومن الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ينتظر أن تدخل بدورها مرحلة جديدة ملف أسواق القرب.

ففاس، شأنها شأن عدد من المدن الكبرى، تحتاج إلى معالجة متوازنة لظاهرة الباعة المتجولين، ليس فقط من خلال تحرير الملك العمومي، وإنما عبر توفير بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية.

ومن المرتقب أن يشكل فتح أسواق القرب التي انتهت أشغال تهيئتها خطوة مهمة في هذا الاتجاه، من خلال نقل عدد من الأنشطة التجارية إلى فضاءات منظمة، وتحسين ظروف اشتغال الباعة، وتوفير بيئة أكثر انتظاماً للمواطنين.

كما أن التفكير في خلق أسواق جديدة، حيث تبرز الحاجة إليها، يمكن أن يساهم في معالجة الاختلالات التي تعرفها بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وهذا الملف يحمل بعداً اجتماعياً واضحاً؛ لأن البائع الذي يبحث عن مورد رزق لا يحتاج فقط إلى المنع، بل إلى فضاء منظم يمكنه من ممارسة نشاطه في ظروف تحفظ كرامته وتضمن احترام القانون والملك العمومي.

الصحة والتعليم.. سياسة القرب في صلب المرحلة الجديدة

ولا يبدو أن ورش إعادة التأهيل سيتوقف عند البنيات العمرانية والرياضية، إذ تبرز كذلك أهمية المرافق الصحية والتعليمية باعتبارها أساساً لأي سياسة تستهدف الأحياء الشعبية والفئات الهشة.

وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إعطاء اهتمام أكبر لمستوصفات ومراكز الصحة القريبة، خصوصاً تلك التي تحتاج إلى إعادة التأهيل أو استكمال التجهيزات أو تحسين ظروف الاستقبال.

وإذا كانت بعض التوجيهات بهذا الخصوص لم تعلن في بلاغ رسمي مفصل إلى حدود المعطيات المتاحة، فإن منطق المرحلة الجديدة في فاس يجعل تأهيل مرافق الصحة والتعليم القريبة من السكان جزءاً طبيعياً من ورش العدالة المجالية.

أما في قطاع التعليم، فقد شهدت المدينة خلال الفترة الأخيرة توسعاً في البنيات التعليمية، بما في ذلك إنشاء وحدات ومؤسسات جديدة بالقرب من المناطق ذات الكثافة السكانية، وهو توجه يكتسي أهمية خاصة في محاربة الهدر المدرسي وتقليص المسافات التي يقطعها الأطفال للوصول إلى المؤسسات التعليمية.

وهنا تتقاطع التنمية العمرانية مع التنمية الاجتماعية: فالمدرسة القريبة، والمستوصف القريب، والملعب القريب، والحديقة القريبة، والسوق المنظم، كلها عناصر تصنع جودة الحياة داخل الحي.

النظافة والإنارة والمساحات الخضراء.. ملفات لا تقل أهمية

ومن بين الملفات التي استأثرت باهتمام ولاية الجهة خلال المرحلة الحالية أيضاً قطاع النظافة.

وقد عرفت الفترة الأخيرة اجتماعات وتنسيقاً بين مختلف المتدخلين بهدف البحث عن حلول عملية للارتقاء بمستوى النظافة بالمدينة، في ظل إدراك أن صورة فاس لا يمكن أن تتحسن من خلال المشاريع الكبرى وحدها.

فمدينة تستعد لتعزيز موقعها السياحي والاقتصادي والثقافي تحتاج قبل كل شيء إلى مدينة نظيفة ومنظمة ومضيئة وآمنة ومريحة للسكان والزوار.

والأمر ذاته ينطبق على الإنارة العمومية، التي لا ترتبط فقط بجمالية الشوارع، وإنما بالأمن الحضري وجودة الحياة وتشجيع الحركة الاقتصادية داخل الأحياء.

كما أن المساحات الخضراء تحتاج إلى سياسة صيانة دائمة، وليس فقط عمليات تهيئة ظرفية، لأن نجاح أي مشروع للحدائق يقاس بقدرته على الاستمرار بعد انتهاء الأشغال.

فاس.. طفرة تنموية متعددة الواجهات

عند جمع هذه المعطيات، يتضح أن فاس تدخل مرحلة تتجاوز المشاريع المنفردة نحو إعادة تشكيل تدريجي للمدينة على عدة مستويات.

هناك أوراش طرقية كبرى، وتأهيل للشوارع والمحاور، ومشاريع للنقل الحضري، ومرافق اقتصادية ورياضية، إلى جانب التفكير في الأحياء الشعبية والحدائق والأسواق والمرافق الاجتماعية.

وفي هذا السياق، دخل مشروع النقل عبر الحافلات ذات المستوى العالي من الخدمة «باص واي» مرحلة الدراسات الجيوتقنية، بعدما أطلقت شركة فاس الجهة للتهيئة طلب عروض لإنجاز الدراسات المرتبطة بالمشروع، في خطوة تمهد للمراحل التقنية المقبلة.

وهذا النوع من المشاريع يكشف أن الرؤية لا تركز فقط على تحسين المشهد الحضري، وإنما تستهدف أيضاً معالجة واحدة من أكبر الإشكالات التي تواجه المدن الكبرى: التنقل الحضري.

كما أن تأهيل الشوارع والمحاور الرئيسية يندرج في تصور أوسع لجعل فاس أكثر جاهزية للاستحقاقات الوطنية والدولية المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2030، مع ضرورة أن تكون هذه الاستعدادات في خدمة المواطن أولاً.

استراتيجية لاستعادة الثقة

الأهم في هذه الدينامية ليس عدد المشاريع فقط، وإنما طريقة تدبيرها.

فالرسالة التي يمكن استخلاصها من كثافة الجولات والاجتماعات والتنسيق بين المصالح هي أن المرحلة المقبلة تريد الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى تنفيذ الحلول.

وإذا نجحت هذه المقاربة، فإن المواطن الفاسي سيبدأ في ملاحظة التغيير في حياته اليومية: شارع أفضل، حديقة مؤهلة، ملعب قرب مفتوح، إنارة أفضل، نظافة أكثر انتظاماً، مدرسة أقرب، مستوصف مؤهل، سوق منظم ومرافق عمومية أكثر فعالية.

وهنا يبرز الدور المحوري لوالي الجهة خالد آيت طالب، الذي اختار منذ بداية المرحلة الجديدة تكثيف الحضور الميداني وتتبع المشاريع عن قرب، مع إشراك مختلف المصالح والمؤسسات والفاعلين.

فالوالي لا يستطيع وحده إنجاز كل شيء، لكن بإمكانه تجميع المتدخلين حول رؤية واحدة، وتحديد الأولويات، وربط المسؤولية بالتنفيذ، ومراقبة تقدم الأوراش.

وهذا تحديداً ما يجعل دور شركة فاس الجهة للتهيئة مهماً في المرحلة الحالية، باعتبارها آلية تنفيذية وتقنية قادرة على تحويل جزء من هذه الرؤية إلى مشاريع على الأرض، مع ضرورة استمرار التنسيق بينها وبين الولاية والجماعات والمؤسسات العمومية والقطاعات الحكومية.

فاس أمام اختبار التنفيذ

فاس اليوم لا تعاني من غياب الأفكار والمشاريع فقط، وإنما تحتاج إلى ضمان أن تتحول البرامج إلى واقع مستدام.

فالمدينة التي عرفت خلال سنوات تراكم عدد من مظاهر التهميش الحضري تحتاج إلى نفس طويل، وإلى مشاريع ذات أثر مباشر، وإلى صيانة مستمرة، وإلى تقييم دوري للنتائج.

ومن هنا، فإن المرحلة التي يقودها خالد آيت طالب ستكون أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع هذه الدينامية الجديدة أن تنتقل من الأوراش الكبرى إلى تحسين ملموس لجودة الحياة في الأحياء؟

المؤشرات الحالية توحي بأن هناك توجهاً نحو ذلك، خصوصاً مع اتساع دائرة التدخل لتشمل الشوارع والأحياء والمرافق الرياضية والمساحات الخضراء والأسواق والنظافة والإنارة، بالتوازي مع المشاريع الكبرى.

وفي قلب هذا المسار، تتقدم شركة فاس الجهة للتهيئة باعتبارها إحدى أهم أدوات التنفيذ والتتبع، فيما تتحمل ولاية جهة فاس-مكناس مسؤولية التنسيق والتوجيه وضمان التقائية تدخلات مختلف الأطراف.

وبين جولات الوالي في الأحياء، والاجتماعات الماراطونية مع المتدخلين، وتسارع وتيرة الأوراش، تبدو فاس أمام محاولة جدية لإطلاق طفرة تنموية جديدة؛ طفرة لا تستهدف فقط تغيير وجه المدينة استعداداً للاستحقاقات الكبرى، وإنما إعادة بناء الثقة بين المواطن وفضائه الحضري، وجعل التنمية تصل إلى الحي والشارع والملعب والحديقة والمدرسة والسوق والمرفق الصحي.

إنها معركة طويلة، لكن عنوانها أصبح واضحاً: فاس تريد أن تستعيد ديناميتها، وأن تتحول من مدينة تعاني من تراكمات الماضي إلى عاصمة علمية حديثة، متوازنة، جاذبة للاستثمار والسياحة، والأهم أنها صالحة للعيش بالنسبة إلى سكانها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى