تقرير للبنك الدولي يعيد رسم صورة سوق الشغل بالمغرب.. هل تكشف المؤشرات الموسعة واقعاً أكثر تعقيداً من أرقام البطالة الرسمية؟

أعاد البنك الدولي فتح النقاش حول واقع سوق الشغل بالمغرب، بعدما قدم في تقريره الأخير حول الوضع الاقتصادي للمملكة لصيف 2026 قراءة أكثر شمولاً لمؤشرات التشغيل والبطالة، مبرزاً أن الاقتصار على معدل البطالة وفق التعريف الإحصائي التقليدي لا يعكس الحجم الكامل للطاقات البشرية غير المستغلة، ولا يكشف بدقة حجم الضغوط التي يعيشها سوق العمل، خاصة في صفوف الشباب والنساء.
ويكتسي هذا التقرير أهمية خاصة، لأنه يأتي بعد أشهر قليلة من اعتماد المندوبية السامية للتخطيط منهجية جديدة لقياس سوق الشغل، منسجمة مع معايير منظمة العمل الدولية، وهو ما يجعل نتائج التقرير لا تنفي الأرقام الرسمية، بل تقدم قراءة أوسع لها، من خلال إدراج مؤشرات ظلت لسنوات خارج النقاش العمومي، مثل “القوة العاملة المحتملة” و”العمل الناقص”، وهما عنصران يغيران بشكل كبير صورة التشغيل في المغرب.
البطالة الرسمية لا تحكي القصة كاملة
بحسب البنك الدولي، بلغ معدل البطالة في المغرب خلال الفصل الأول من سنة 2026 نحو 10.8 في المائة وفق التعريف الإحصائي المعتمد، غير أن هذا الرقم، في نظر المؤسسة المالية الدولية، لا يمثل سوى جزء من الواقع.
فعندما يتم احتساب الأشخاص الذين يعملون لساعات أقل مما يرغبون فيه، يرتفع المؤشر إلى 16.6 في المائة، بينما يصل إلى 17.1 في المائة عند إضافة فئة “القوة العاملة المحتملة”، أي الأشخاص الذين يرغبون في العمل لكنهم توقفوا عن البحث عنه أو لا يستوفون جميع الشروط الإحصائية لاعتبارهم عاطلين.
أما عند الجمع بين البطالة، والعمل الناقص، والقوة العاملة المحتملة، فإن المؤشر الأوسع يصل إلى 22.5 في المائة، وهو ما يكشف أن سوق الشغل يواجه تحديات أكبر بكثير مما توحي به نسبة البطالة الرسمية وحدها.
884 ألف مغربي خارج الحسابات التقليدية
من أبرز الأرقام التي تضمنها التقرير وجود حوالي 884 ألف شخص يصنفون ضمن “القوة العاملة المحتملة”، وهي فئة تضم أشخاصاً لديهم الرغبة في العمل، لكنهم لا يدخلون ضمن تعريف العاطلين وفق المعايير الدولية، إما لأنهم توقفوا عن البحث عن وظيفة بعد فقدان الأمل، أو لأنهم غير قادرين على بدء العمل خلال المدة الزمنية المحددة في التعريف الإحصائي.
ويرى البنك الدولي أن هذه الفئة تمثل طاقة بشرية كبيرة لا ينبغي تجاهلها عند تقييم أداء سوق الشغل، لأنها تعكس واقعاً اجتماعياً يتمثل في الإحباط وفقدان الثقة في فرص الولوج إلى العمل.
النساء والشباب… الحلقة الأضعف
ويبرز التقرير أن الضغوط داخل سوق الشغل لا توزع بالتساوي بين مختلف الفئات.
فالمؤشر الموسع الذي يجمع البطالة والقوة العاملة المحتملة يصل إلى 27.9 في المائة لدى النساء، ويرتفع إلى 40.4 في المائة لدى الشباب، وهي نسب تعكس حجم الصعوبات التي تواجه هذه الفئات في الحصول على فرص شغل مستقرة.
كما سجل البنك الدولي أن معدل مشاركة النساء في سوق الشغل لا يتجاوز 17.5 في المائة، وهو من بين أدنى المعدلات عالمياً، إذ يحتل المغرب مرتبة متأخرة جداً في هذا المؤشر مقارنة بدول العالم.
ويرى التقرير أن تحسين مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي لا يمثل فقط رهاناً اجتماعياً، بل يعد أيضاً ضرورة اقتصادية لرفع النمو وتحسين الإنتاجية.
لماذا تغيرت الأرقام؟
حرص البنك الدولي على توضيح أن المقارنة المباشرة بين نتائج سنة 2025 وبيانات سنة 2026 يجب أن تتم بحذر.
فالسبب لا يعود فقط إلى تطور أو تراجع سوق الشغل، وإنما أيضاً إلى اعتماد المندوبية السامية للتخطيط ابتداء من الفصل الأول لسنة 2026 بحثاً جديداً حول اليد العاملة، يتماشى مع أحدث معايير منظمة العمل الدولية.
وبموجب هذه المنهجية، أصبح تصنيف الشخص ضمن العاطلين يشترط ثلاثة عناصر مجتمعة: عدم الاشتغال خلال الأسبوع المرجعي، والبحث الفعلي عن عمل خلال الأسابيع الأربعة السابقة، والاستعداد لبدء العمل خلال أسبوعين.
أما الأشخاص الذين تتوفر لديهم الرغبة في العمل دون استيفاء جميع هذه الشروط، فأصبحوا يصنفون ضمن “القوة العاملة المحتملة”، وهو ما يجعل المؤشرات أكثر دقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الطاقات البشرية التي ظلت خارج التصنيف التقليدي.
سوق الشغل… أزمة هيكلية وليست ظرفية
لا يربط البنك الدولي الإشكال فقط بالأرقام، بل يعتبر أن التحدي يرتبط بطبيعة الاقتصاد الوطني نفسه.
فالتقرير يشير إلى أن عدداً كبيراً من الشباب، خاصة حاملي الشهادات، يواجهون صعوبات في الانتقال من مرحلة الدراسة إلى العمل، في ظل محدودية الوظائف التي تتلاءم مع مؤهلاتهم، وضعف الأجور في بداية المسار المهني، إلى جانب استمرار فجوة المهارات في بعض القطاعات.
كما أن استمرار العمل غير المهيكل، وضعف إنتاجية بعض الأنشطة الاقتصادية، يحدان من قدرة الاقتصاد على خلق وظائف مستقرة وذات جودة.
قراءة تتقاطع مع تقارير وطنية
وتنسجم خلاصات البنك الدولي مع تقارير وطنية حديثة، من بينها تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي نبهت إلى أن الاقتصاد المغربي، رغم الاستثمارات المهمة التي عرفها خلال السنوات الأخيرة، ما زال يواجه تحديات بنيوية تحد من قدرته على خلق فرص الشغل بالوتيرة المطلوبة.
كما سبق للمجلس أن أكد أن الاستثمارات المنجزة بين سنتي 2021 و2025، والتي تجاوزت 1700 مليار درهم، لم تفض سوى إلى نحو 400 ألف منصب شغل صاف، ما يعكس الحاجة إلى توجيه أكبر للاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على التشغيل.
ما الذي يحتاجه المغرب؟
يرى خبراء الاقتصاد أن معالجة هذه المؤشرات تتطلب الانتقال من التركيز على عدد مناصب الشغل فقط إلى تحسين جودة فرص العمل، وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإصلاح منظومة الوساطة في التشغيل، وتوسيع مشاركة النساء في الاقتصاد، مع تعزيز السياسات الموجهة للشباب في مختلف الجهات.
كما أن تشجيع الاقتصاد الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والصناعات التحويلية، يمكن أن يوفر فرصاً أكبر للتشغيل مقارنة ببعض القطاعات ذات الكثافة الرأسمالية العالية.
رسالة الأرقام
لا يقول تقرير البنك الدولي إن الأرقام الرسمية خاطئة، لكنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن معدل البطالة وحده لم يعد كافياً لفهم واقع سوق الشغل المغربي.
فخلف نسبة 10.8 في المائة توجد مئات الآلاف من الأشخاص الراغبين في العمل، وآلاف الشباب الذين يعملون أقل مما يرغبون، وآلاف النساء اللواتي يواجهن صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل.
وهذا يعني أن تقييم السياسات العمومية لم يعد ينبغي أن يقتصر على مؤشر البطالة التقليدي، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار جميع أشكال الهشاشة المرتبطة بالتشغيل، لأن بناء اقتصاد أكثر شمولاً لا يقاس فقط بعدد الوظائف المحدثة، وإنما أيضاً بقدرته على استيعاب كل الطاقات البشرية، وتحويلها إلى قوة إنتاج وتنمية واستقرار اجتماعي.






