المجلس الوطني للصحافة أمام اختبار الثقة.. تركيبة المكتب تعيد الجدل حول التعددية ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة

أعاد انتخاب المكتب الجديد للمجلس الوطني للصحافة فتح نقاش واسع داخل الجسم الصحفي المغربي بشأن مستقبل هذه المؤسسة ومدى قدرتها على تقديم نموذج فعلي للتنظيم الذاتي للقطاع، بعدما أفرزت عملية انتخاب هياكلها قيادة تجمع المختار الغزيوي رئيساً وحنان رحاب نائبة له، وهما اسمان يرتبطان بالمؤسسة الإعلامية نفسها، في مشهد أثار تساؤلات مهنية حول التعددية وتوزيع المسؤوليات داخل جهاز يفترض أن يعكس تنوع الصحافة المغربية.
وانتُخب المختار الغزيوي رئيساً للمجلس، يوم 21 شتنبر 2026، بعدما حصل على 11 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات لعبد الله البقالي، فيما انتُخبت حنان رحاب نائبة للرئيس. وجاء ذلك بعد استكمال انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي الناشرين.
ولا تكمن الإشكالية، مهنياً، في الأشخاص المنتخبين في حد ذاتهم، وإنما في الصورة التي تقدمها هذه التركيبة بشأن التعددية داخل المؤسسة. فوجود الرئيس ونائبته المنتميين إلى المؤسسة الإعلامية نفسها يفتح نقاشاً مشروعاً حول مدى اتساع قاعدة التمثيل داخل المكتب، ومدى قدرة باقي مكونات الصحافة الوطنية على الشعور بأن مواقع القرار موزعة بصورة تعكس تنوع المؤسسات والتجارب والحساسيات المهنية.
وتزداد الأسئلة حدة مع ما رافق عملية تشكيل المكتب من انسحاب عبد الله البقالي والكبير خشيشن ونادية حسيسو، وفق تقارير صحفية، احتجاجاً على طريقة التصويت خلال انتخاب نائبة الرئيس، وهو ما أعاد إلى الواجهة مسألة الضمانات الإجرائية التي يفترض أن ترافق انتخاب قيادة هيئة مهنية يفترض أن تكون فضاءً للتعدد والاختلاف والاحتكام إلى قواعد واضحة تحظى بالثقة.
وهنا يطرح السؤال الأكبر نفسه: هل نجح نموذج التنظيم الذاتي للصحافة، بصيغته الحالية، في بناء مؤسسة تحظى بثقة واسعة داخل الجسم الصحفي، أم أن التجربة تحتاج إلى مراجعة عميقة تعيد تعريف طريقة التمثيل والانتخاب وتوزيع الاختصاصات والضمانات المهنية؟
فالمجلس الوطني للصحافة لم يُنشأ باعتباره مؤسسة إعلامية عادية، وإنما باعتباره هيئة للتنظيم الذاتي للصحافة والنشر. وينص القانون رقم 90.13 على تمتعه بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويمنحه اختصاصات من بينها التنظيم الذاتي للقطاع، ومنح بطاقة الصحافة المهنية، ووضع ميثاق أخلاقيات المهنة، وممارسة الوساطة والتحكيم وتتبع احترام حرية الصحافة.
وبالتالي، فإن النقاش حول مستقبل المجلس لا يمكن أن يتحول إلى مجرد سجال حول أسماء منتخبة، بل ينبغي أن يتجه إلى جوهر التجربة نفسها: هل آليات التمثيل الحالية تضمن فعلاً مشاركة واسعة لمختلف مكونات الصحافة؟ وهل تسمح بوجود توازن حقيقي بين الصحافيين والناشرين؟ وهل توفر الانتخابات الداخلية الضمانات الكافية لاستقلال الأعضاء وحرية اختياراتهم؟
وتكتسب هذه الأسئلة مشروعيتها أكثر بالنظر إلى أن نتائج انتخاب ممثلي الصحافيين أظهرت تفاوتاً كبيراً في عدد الأصوات بين الفائزين، حيث تصدرت حنان رحاب النتائج بـ703 أصوات، مقابل 481 لعبد الله البقالي و455 لعبد الحق العضيمي و437 للكبير خشيشن، ضمن سبعة ممثلين للصحافيين المهنيين. كما تم انتداب سبعة ممثلين عن الناشرين.
ولا يعني ذلك التشكيك في مشروعية النتائج المعلنة، خصوصاً أن اللجنة المؤقتة المكلفة بتنظيم العملية أكدت أن مختلف مراحل الانتخابات تمت وفق المقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل. لكنه يفتح، في المقابل، نقاشاً سياسياً ومهنياً مشروعاً حول ما إذا كانت المشروعية القانونية وحدها كافية لبناء الثقة داخل قطاع يعيش تحولات عميقة ومتسارعة.
وفي قلب هذا النقاش تبرز أصوات مهنية تدعو إلى إعادة النظر جذرياً في تجربة المجلس، بل وتطرح خيار إنهائها أو مراجعة نموذجها الحالي، والعودة إلى تدبير قطاع الصحافة والنشر من خلال الإدارة الحكومية المختصة، باعتبار أن الوزارة الوصية تتوفر على آليات إدارية وتشريعية يمكنها تدبير عدد من الملفات المرتبطة بالقطاع.
غير أن هذا الخيار يظل موقفاً سياسياً ومهنياً قابلاً للنقاش، وليس وضعاً قانونياً قائماً، لأن المجلس يستند حالياً إلى قانون نافذ ينظم وجوده واختصاصاته. ومن ثم فإن أي تغيير في هذا النموذج يقتضي مساراً تشريعياً واضحاً، وليس مجرد قرار إداري.
المطلوب اليوم، قبل إطلاق أحكام نهائية على التجربة، هو فتح نقاش مهني واسع حول حصيلة المجلس، ومراجعة آليات التمثيل والانتخاب، ومدى تمثيل المؤسسات الصحفية الصغيرة والمتوسطة، وضمان استقلالية القرار، وتكريس الشفافية في تدبير الملفات المهنية، بما يمنع تحول التنظيم الذاتي إلى مجال مغلق على مجموعة محدودة من الفاعلين.
كما أن الحديث عن احتمال عزوف أو انسحاب أعداد كبيرة من الصحافيين من منظومة المجلس يجب أن يستند إلى مواقف موثقة وأرقام واضحة، لا إلى تقديرات غير مؤكدة. أما المؤكد فهو أن الجدل الذي رافق تشكيل المكتب الجديد يكشف عن حاجة حقيقية إلى استعادة الثقة وفتح حوار مهني جاد حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب.
لقد دخل المجلس الوطني للصحافة ولايته الجديدة وهو أمام تحدٍّ أكبر من مجرد انتخاب رئيس ونائبة للرئيس. التحدي الحقيقي يتمثل في قدرته على إقناع مختلف مكونات الجسم الصحفي بأن المؤسسة تتسع للجميع، وأن مواقع القرار لا تتحول إلى مجال للتمركز، وأن التنظيم الذاتي يعني فعلاً إشراك المهنيين وحماية استقلال الصحافة وضمان التعددية.
وبذلك، فإن الجدل الحالي قد يتحول إلى فرصة لإعادة تقييم التجربة برمتها، سواء عبر إصلاح عميق للقانون وآليات التمثيل والانتخاب، أو عبر طرح بدائل مؤسساتية أخرى، بما فيها إعادة النظر في دور الوزارة الوصية. وفي جميع الحالات، يبقى مستقبل تنظيم قطاع الصحافة شأناً عاماً ومهنياً يستحق نقاشاً واسعاً، بعيداً عن الاصطفافات الشخصية والحسابات الضيقة.






