مجتمع

غابة عين الشقف بمولاي يعقوب.. مليار و200 مليون تبخرت الأزبال والمياه الراكدة تفضح «تأهيلاً» لم يصمد طويلاً

من متنفس طبيعي لساكنة فاس ومولاي يعقوب إلى فضاء تغزوه الأزبال والمياه الراكدة والإهمال.. غابة عين الشقف تدخل مرحلة جديدة من التدهور، رغم الأموال الضخمة التي سبق أن رصدت لتأهيلها، ورغم التحذيرات والتحركات الميدانية التي سبق أن واكبتها السلطات.

لم تعد صور غابة عين الشقف التابعة لجماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب مجرد مشاهد عابرة يمكن وضعها في خانة الإهمال اليومي الذي تعرفه بعض الفضاءات العمومية، بل بات الوضع يطرح أسئلة جدية حول مصير مشروع تأهيلي كلف حوالي 12 مليون درهم، أي ملياراً و200 مليون سنتيم، وحول جودة الأشغال التي أنجزت، ومدى جدية التتبع والصيانة بعد انتهاء الورش.

فالفيديوهات التي وثقها زوار الغابة خلال الفترة الأخيرة تكشف وضعاً صادماً: أزبال متناثرة، مرافق متدهورة، مساحات غابوية يغزوها الإهمال، ومياه راكدة تنبعث منها روائح كريهة، في وقت يفترض أن يكون فيه هذا الفضاء واحداً من أهم المتنفسات الطبيعية لفاس ومولاي يعقوب.

والأخطر من ذلك أن هذا الواقع يأتي بعد أشهر فقط من عودة الملف إلى الواجهة، وبعد أن سبق لـفاس24 أن سلطت الضوء على اختلالات مشروع التأهيل وعلى مظاهر التدهور التي بدأت تصيب تجهيزاته.

مليار و200 مليون.. أين ذهبت نتائج التأهيل؟

القصة ليست جديدة.

ففي نونبر 2025، أثارت فاس24 ملف غابة عين الشقف بعد رصد اختلالات واضحة في عدد من التجهيزات والمسالك التي خضعت للتأهيل، وهو ما أعقبته زيارة ميدانية للوالي السابق خالد الزروالي رفقة عامل إقليم مولاي يعقوب، للوقوف على الوضعية التي آلت إليها المنشآت.

وكان السؤال وقتها واضحاً: كيف يمكن لمشروع كلف 12 مليون درهم أن يبدأ في فقدان مقوماته الأساسية بعد فترة قصيرة من إنجازه؟

وبحسب المعطيات التي سبق أن نشرتها الجريدة، فقد ظهرت مشاكل على مستوى بعض المدارات والمسالك والتجهيزات والمرافق الصحية، كما بدأت بعض المنشآت تتعرض للتلف في وقت كان يفترض أن تكون فيه في بداية عمرها الافتراضي.

وكان من المفترض أن يحول هذا الاستثمار الغابة إلى فضاء ترفيهي وبيئي ورياضي يستجيب لحاجيات الأسر والشباب والرياضيين، لا أن ينتهي به الأمر إلى فضاء يبحث فيه الزائر عن مكان نظيف للجلوس أو مسار صالح للمشي.

وهنا تحديداً يحق للرأي العام أن يسأل:

هل كانت جودة الأشغال في مستوى الاعتمادات المرصودة؟ وهل تمت مراقبة الورش بالصرامة المطلوبة؟ وهل تم تسلم المشروع وفق المعايير التقنية المطلوبة؟ ومن يتحمل مسؤولية تدهور تجهيزات حديثة بهذا الشكل؟

فاس24 سبق أن حذرت.. لكن ماذا تغير؟

المثير أن الملف لم يفاجئ أحداً.

ففي ماي 2026، عادت فاس24 إلى الغابة ونقلت صوراً صادمة لأزبال متراكمة وسط الفضاء الغابوي، بالقرب من مسارات مخصصة للمشي والرياضة، وفي محيط مرافق يفترض أنها جزء من مشروع التأهيل.

حتى اللافتات التي تدعو الزوار إلى احترام البيئة والمحافظة على نظافة الغابة بدت في المشاهد المنشورة وكأنها تواجه واقعاً يناقض الرسالة التي تحملها، بعدما أصبحت محاطة بالنفايات وبقايا الأطعمة والقنينات والبلاستيك.

والسؤال هنا لا يتعلق فقط بسلوك بعض الزوار.

نعم، المواطن يتحمل مسؤوليته عندما يرمي النفايات في الفضاءات الطبيعية، لكن تراكم الأزبال وانتشارها بهذا الحجم لا يمكن تفسيره فقط بسلوك فردي.

إنه أيضاً سؤال عن النظافة اليومية، ورفع النفايات، والحاويات، والمراقبة، والصيانة، والحضور الميداني للجهات المسؤولة.

فالغابة التي تستقبل الأسر والأطفال والرياضيين والزوار لا يمكن أن تدار بمنطق «نتركها حتى تتسخ ثم نتدخل».

اليوم.. المياه الراكدة تضيف فضيحة جديدة

وإذا كان ملف الأزبال والتجهيزات قد أصبح معروفاً، فإن الوضع الحالي أضاف مشكلة أكثر خطورة، بعدما تحولت أجزاء من الغابة إلى تجمعات للمياه الراكدة، مصحوبة بروائح كريهة، خصوصاً عقب التساقطات المطرية.

ووفق المعطيات المحلية المتداولة، فإن المشكل يرتبط بطريقة تصريف مياه الأمطار، وسط حديث عن صعوبة إيجاد حل تقني بسبب تعقيدات شبكة التصريف الموجودة بالموقع.

وقد بدأت السلطات المحلية والجماعة ومصالح أخرى، بتنسيق مع الشركة الجهوية المختصة، في البحث عن حلول تقنية لتصريف هذه المياه أو معالجتها، سواء عبر القنوات أو وسائل أخرى.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:

لماذا ننتظر حتى تتحول مياه الأمطار إلى برك راكدة وروائح ومصدر إزعاج للزوار حتى نبدأ في البحث عن حل؟

أليس من المفترض أن تكون هذه الإشكالات محسوبة ضمن الدراسات التقنية للمشروع الأصلي؟

عندما تصبح المياه الراكدة خطراً على الغابة

المشكل لا يتعلق فقط براحة الزائر.

فتجمع المياه لفترات طويلة داخل فضاء غابوي يمكن أن يؤثر على التربة والغطاء النباتي، كما يمكن أن يشكل بيئة غير ملائمة لبعض الكائنات الحية والطيور، فضلاً عن الروائح والحشرات التي قد ترافق المياه الراكدة.

وهنا ينبغي التعامل مع الملف باعتباره إشكالاً بيئياً وتدبيرياً متكاملاً، وليس مجرد مشكل تقني يمكن حله بشاحنة أو قناة مؤقتة.

الغابة نظام بيئي، وأي تدخل فيها يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأرض، وتصريف المياه، وحماية الأشجار، والمسالك، والنظافة، والوقاية من الحرائق، وصيانة التجهيزات.

وكالة تنفيذ المشاريع.. أسئلة لا يمكن القفز عليها

ويبقى الجانب الأكثر حساسية في الملف مرتبطاً بالجهة التي أشرفت على تنفيذ مشروع التأهيل.

فالمشروع كان من الأوراش التي ارتبطت بـوكالة تنفيذ المشاريع التابعة لجهة فاس-مكناس، وهي المؤسسة التي يفترض فيها أن تكون الذراع التنفيذي للمجلس الجهوي، وأن تضمن تنزيل المشاريع ومتابعتها واحترام جودتها.

لكن ما وقع في عين الشقف يجعل الوكالة مطالبة اليوم بتقديم أجوبة واضحة للرأي العام.

ليس من المقبول، من الناحية التدبيرية، أن يتم صرف حوالي 12 مليون درهم على فضاء طبيعي، ثم تظهر بعد فترة قصيرة مشاكل في المسالك والتجهيزات والمرافق، قبل أن يعود الإهمال والأزبال والمياه الراكدة ليطبع المشهد من جديد.

وإذا كانت الأشغال قد أنجزت وفق المعايير، فمن المسؤول عن الصيانة؟

وإذا كانت الصيانة هي المشكلة، فمن كان مكلفاً بها؟

وإذا كانت هناك عيوب تقنية في المشروع، فمن وافق على تسلمه؟

وإذا كانت هناك اختلالات في الإنجاز، فمن يتحمل مسؤولية مراقبتها؟

هذه ليست أسئلة سياسية، وإنما أسئلة حكامة ومال عام.

وقد سبق لـفاس24 أن خصصت ملفاً أوسع لأداء الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، وربطت بين عدد من المشاريع التي ظهرت فيها اختلالات وبين الحاجة إلى تقوية المراقبة والتتبع التقني.

الغابة التي تحتاج إلى إنقاذ لا إلى صور جديدة

المطلوب اليوم ليس تنظيم زيارة بروتوكولية أخرى للغابة، ولا التقاط صور لمسؤولين وسط الأشجار.

المطلوب هو تشخيص حقيقي ومكتوب ومعلن.

كم كلف كل جزء من المشروع؟

ما الأشغال التي تم تنفيذها؟

من قام بالمراقبة التقنية؟

هل تمت عملية التسلم النهائي؟

ما مدة الضمان؟

من المسؤول عن الصيانة؟

ما وضعية المرافق الصحية؟

ما وضعية المسالك؟

من يتكلف بجمع النفايات؟

وما الحل الدائم لمياه الأمطار؟

هذه هي الأسئلة التي تنتظرها ساكنة المنطقة.

خالد آيت طالب أمام ملف لا يحتمل التأجيل

وفي هذه المرحلة، تتجه الأنظار إلى والي جهة فاس-مكناس خالد آيت طالب، الذي يراهن عليه عدد من المتابعين والفعاليات للتدخل ميدانياً، خصوصاً أن ملف الغابة لم يعد مجرد قضية نظافة، وإنما أصبح عنواناً لإشكالات أعمق تتعلق بجودة المشاريع العمومية واستدامتها.

والوالي، الذي شرع في الفترة الأخيرة في تكثيف الجولات الميدانية والاطلاع على الاختلالات والنواقص بعدد من مناطق فاس ومحيطها، يمكنه أن يحول ملف عين الشقف إلى نموذج جديد للحكامة الميدانية، عبر جمع مختلف المتدخلين حول طاولة واحدة، وفتح الملف التقني والمالي للمشروع، وتحديد المسؤوليات.

فالمطلوب ليس فقط تنظيف الغابة.

المطلوب إعادة الاعتبار لها.

متنفس فاس ومولاي يعقوب ليس ملكاً لجهة واحدة

غابة عين الشقف ليست فضاءً هامشياً.

إنها من المتنفسات الطبيعية القريبة من فاس، وتستقبل سكان المدينة ومولاي يعقوب والمناطق المجاورة، خصوصاً خلال العطل ونهاية الأسبوع.

وبالنسبة إلى آلاف الأسر، فهي ليست مجرد أشجار ومسالك، وإنما فضاء للراحة والمشي والرياضة وقضاء الوقت بعيداً عن الإسمنت والازدحام.

ولهذا فإن تركها تتدهور يعني عملياً حرمان فئات واسعة من السكان من أحد أهم الفضاءات الطبيعية المتاحة لهم.

والأمر يصبح أكثر إلحاحاً مع تزايد الحاجة إلى المساحات الخضراء والفضاءات المفتوحة داخل المجال الحضري ومحيطه.

بل إن وثائق التخطيط العمراني لفاس الكبرى سبق أن اعتبرت تهيئة غابة عين الشقف ضمن الخيارات الرامية إلى تعزيز المجالات الخضراء والترفيهية وحماية الموارد الطبيعية.

فكيف يعقل أن يكون هذا الفضاء جزءاً من تصور مستقبلي لتوسيع المساحات الخضراء، بينما الواقع الحالي يدفعه في الاتجاه المعاكس؟

الأزبال ليست وحدها المشكلة

المشهد الحالي يكشف منظومة كاملة من الاختلالات.

أزبال، مياه راكدة، مرافق تحتاج إلى صيانة، تجهيزات تتدهور، مسالك لم تعد في مستوى طموحات المشروع، وأعشاب ونباتات تحتاج إلى تدبير، فضلاً عن هاجس الحرائق خلال فصل الصيف.

وهنا لا بد من طرح ملف الوقاية أيضاً.

فالغابة التي تعاني من تراكم النفايات ووجود الأعشاب الجافة تحتاج إلى برنامج واضح للوقاية من الحرائق، مع تنظيف المسالك، وفتح الممرات، وتعزيز المراقبة، وتوفير وسائل التدخل عند الضرورة.

لا ينبغي انتظار اندلاع حريق حتى تبدأ الأسئلة.

من «مشروع نموذجي» إلى سؤال الحكامة

عين الشقف يمكن أن تصبح درساً في كيفية إدارة المشاريع العمومية.

المشكلة ليست أن مشروعاً فشل وانتهى.

المشكلة أن المشروع الذي يفشل دون محاسبة قد يتحول إلى سابقة تتكرر في مشاريع أخرى.

والمال العام الذي صرف على التأهيل لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الميزانية التي تم الالتزام بها، وإنما بالنتيجة التي حصل عليها المواطن.

12 مليون درهم يجب أن تنتج فضاءً يعيش سنوات، وليس تجهيزات تتآكل سريعاً.

ومليار و200 مليون سنتيم يجب أن تترك أثراً واضحاً على الأرض، وليس أن تختفي نتائجها تحت الغبار والأزبال والمياه الراكدة.

المطلوب الآن.. تحقيق ومحاسبة وإعادة تأهيل

أمام هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح افتحاص تقني ومالي وإداري للمشروع، ليس بهدف توجيه اتهامات جاهزة إلى أي طرف، وإنما لتحديد الحقيقة والمسؤولية.

وإذا ثبت وجود خلل في الأشغال، فيجب ترتيب المسؤوليات وفق القانون.

وإذا كان الخلل في الصيانة، فيجب تحديد الجهة المكلفة بها ومساءلتها.

وإذا كان المشكل في تصريف المياه، فيجب تحديد مصدر الخلل منذ مرحلة الدراسة والإنجاز.

وإذا كانت الأزبال نتيجة ضعف التدبير اليومي، فيجب معالجة هذا الجانب بشكل دائم وليس بحملات موسمية.

عين الشقف لا تحتاج إلى مزيد من الوعود

الساكنة لا تريد خطباً جديدة عن البيئة.

ولا تحتاج إلى لافتات إضافية تطلب منها المحافظة على النظافة بينما المؤسسات لا توفر الحد الأدنى من شروطها.

ما تحتاجه هو غابة نظيفة، آمنة، مضاءة حيث يلزم، مجهزة، مصانة، ومسالكها صالحة للاستعمال، ومرافقها مفتوحة، ومياهها مصرفة، ونفاياتها مرفوعة بانتظام.

والمطلوب قبل كل شيء هو أن تتحول الملايين التي صرفت إلى قيمة حقيقية يشعر بها المواطن.

لقد سبق أن دقت فاس24 ناقوس الخطر، وسبق أن تحرك مسؤولون ميدانياً، وسبق أن عادت القضية إلى الواجهة أكثر من مرة.

أما اليوم، وبعد أن وثق الزوار الوضع بالفيديو، فلم يعد ممكناً التعامل مع الملف باعتباره مجرد شكاية محلية.

الصورة موجودة، والواقع موجود، والمال الذي صرف معروف، والنتيجة أمام أعين الجميع.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

من سيحاسب عن مشروع كلف ملياراً و200 مليون سنتيم، ولماذا لم يصمد في وجه الزمن؟ ومن سيعيد لغابة عين الشقف مكانتها كمتنفس حقيقي لساكنة فاس ومولاي يعقوب؟

لأن عين الشقف لا تحتاج إلى مشروع آخر يستهلك الملايين ثم يتركها لمصيرها.

تحتاج إلى حكامة حقيقية، ومراقبة صارمة، وصيانة مستمرة، ومسؤولية واضحة.. قبل أن يتحول هذا المتنفس الطبيعي نهائياً من غابة تستقبل العائلات إلى فضاء مفتوح للإهمال والأزبال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى