قضايا

شبهات غسل أموال عبر “تسويات ديون صورية”.. هيئة المعلومات المالية توسع تحرياتها لتعقب المستفيدين الحقيقيين من أصول مشبوهة

فتحت الهيئة الوطنية للمعلومات المالية تحقيقات موسعة بشأن شبهات استغلال آليات قانونية خاصة بتسوية الديون في عمليات يشتبه في ارتباطها بغسل الأموال، وذلك بعد رصد مؤشرات أولية توحي باستعمال بروتوكولات تسوية ظاهرها قانوني، بينما تخفي في بعض الحالات معاملات صورية هدفها نقل ملكية أصول ذات قيمة مالية كبيرة وإضفاء المشروعية على أموال يشتبه في أن مصدرها غير مشروع.

وتأتي هذه التحريات في إطار تشديد المغرب آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز منظومة اليقظة المالية والرقابة على المعاملات الاقتصادية، بما ينسجم مع الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي باشرها خلال السنوات الأخيرة، والرامية إلى حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر توظيف الشركات والمعاملات التجارية كواجهة لإضفاء الشرعية على الأموال المشبوهة.

وبحسب المعطيات الأولية، فإن الأبحاث انطلقت بعد رصد نمط متكرر من المعاملات التجارية التي يشتبه في كونها لا تعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً، إذ يتم، وفق الشبهات موضوع البحث، إنشاء مديونيات مصطنعة بين شركات أو كيانات قانونية، عبر فواتير ووثائق محاسبية وكمبيالات وعقود تبدو سليمة من الناحية الشكلية، قبل الانتقال إلى مرحلة إبرام بروتوكولات لتسوية تلك الديون، تنتهي بتحويل عقارات أو تجهيزات أو أصول مالية إلى جهات تقدم على أنها دائنة، في حين يشتبه في أن العملية برمتها لا تعدو أن تكون وسيلة لإعادة تدوير الأموال وإدماجها داخل الدورة الاقتصادية في إطار يبدو قانونياً.

وتسعى مصالح المراقبة إلى تفكيك مختلف حلقات هذا الأسلوب، بداية من تأسيس أو استغلال شركات قد تكون محدودة النشاط أو عديمة النشاط الفعلي، مروراً بإعداد وثائق محاسبية تعكس معاملات تجارية غير حقيقية، وصولاً إلى نقل أصول مرتفعة القيمة بموجب عقود تسوية تمنح العملية مظهراً قانونياً يصعب اكتشاف طابعها الصوري لأول وهلة.

كما وسعت الهيئة دائرة التدقيق لتشمل عدداً من المتدخلين الذين قد يكونون شاركوا، في حال ثبوت الوقائع، في إعداد البنية القانونية والمحاسبية لهذه العمليات، وذلك من خلال فحص الوثائق المحاسبية، ومحاضر الاتفاق، والكمبيالات، والعقود، وغيرها من المستندات التي قد تكون استعملت لإضفاء المشروعية على معاملات يشتبه في عدم وجود أساس اقتصادي حقيقي لها.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عمليات الافتحاص الأولية رصدت حالات أثارت انتباه المراقبين، تمثلت في تضخم غير مبرر في قيمة الأصول الثابتة لدى بعض الشركات، خصوصاً بعد انتقال ملكية عقارات أو تجهيزات أو ممتلكات أخرى إليها في مدد زمنية قصيرة، دون أن يقابل ذلك نشاط اقتصادي يفسر هذا التطور أو يبرر ارتفاع قيمتها المالية.

ولهذا تعمل فرق المراقبة على تحليل الوضعية الجبائية والمحاسبية لهذه الشركات، ومقارنة البيانات المالية مع حجم النشاط الحقيقي، من أجل الوقوف على مدى انسجام التصريحات مع الواقع الاقتصادي.

ولا تقتصر الأبحاث على الوثائق التجارية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى تتبع مصادر الأموال التي مولت مختلف العمليات، مع إخضاع الممتلكات المصرح بها من طرف بعض المسيرين والمساهمين داخل المغرب وخارجه للمراجعة، بهدف التأكد من مدى مطابقتها لوضعيتهم المالية والجبائية، والتحقق من وجود أي مؤشرات قد تدل على إخفاء الملكية الحقيقية أو استعمال واجهات قانونية لإبعاد الشبهات عن المستفيدين الفعليين.

وفي هذا السياق، يعمد المحققون إلى مطابقة العقود التجارية مع الكشوفات البنكية، والتصريحات الضريبية، والسجلات التجارية، إضافة إلى دراسة التسلسل الزمني للعمليات المالية، للتأكد مما إذا كانت المعاملات التجارية التي استندت إليها بروتوكولات التسوية قد تمت فعلاً على أرض الواقع، أم أنها أنجزت فقط على مستوى الوثائق لتبرير انتقال أصول ذات قيمة مالية كبيرة.

ويولي المحققون أهمية خاصة لمسألة “المستفيد الحقيقي”، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في منظومة مكافحة غسل الأموال، إذ تركز الأبحاث على تحديد الأشخاص الطبيعيين الذين يملكون أو يسيطرون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأصول أو الشركات، حتى وإن كانت الملكية الظاهرة مسجلة بأسماء مساهمين أو شركات وسيطة.

وتشير التجارب الدولية إلى أن شبكات غسل الأموال غالباً ما تعتمد على إنشاء هياكل قانونية معقدة، تشمل شركات متعددة ووسطاء وعقوداً متشابكة، بهدف إخفاء هوية المستفيد النهائي، وهو ما يجعل تحديد هذا الأخير أحد أهم عناصر نجاح التحقيقات المالية.

ويرى مختصون في الجرائم المالية أن هذا النوع من العمليات، إذا ثبتت الوقائع المنسوبة إليه، لا يقتصر أثره على الجانب الجنائي، بل ينعكس أيضاً على مناخ الأعمال والمنافسة والاستثمار، لأنه يتيح إدخال أموال مجهولة المصدر إلى الدورة الاقتصادية، بما يضر بمبدأ المنافسة المشروعة ويؤثر على شفافية المعاملات التجارية.

كما يؤكد خبراء أن بروتوكولات تسوية الديون تعتبر في الأصل أدوات قانونية مشروعة لتسوية النزاعات والالتزامات المالية بين الأطراف، غير أن خطورتها تظهر عندما تستغل بصورة احتيالية لإخفاء عمليات نقل أصول أو تدوير أموال لا تستند إلى معاملات اقتصادية حقيقية.

وتأتي هذه التحريات في سياق مواصلة المغرب تعزيز منظومته الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال تطوير آليات التحليل المالي، وتبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة، وتشديد الرقابة على القطاعات الأكثر عرضة للمخاطر، مع التركيز على كشف المستفيدين الحقيقيين من الشركات والهياكل القانونية، باعتبار ذلك أحد أهم المعايير الدولية المعتمدة في مواجهة الجرائم المالية العابرة للحدود.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث الجارية، يبقى الأصل هو احترام قرينة البراءة، إذ إن جميع الوقائع التي يجري التحقق منها ما تزال في مرحلة التحري والتدقيق، ولم يصدر بشأنها أي حكم قضائي نهائي. غير أن هذه القضية تعكس في المقابل تصاعد الاعتماد على وسائل التحليل المالي المتقدمة، واتجاه السلطات المختصة إلى تتبع المسارات الاقتصادية للأموال، وليس فقط مظاهرها القانونية، بما يعزز قدرة الدولة على حماية الاقتصاد الوطني وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في المعاملات المالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى