بعد خمس سنوات من التدبير.. التصريح بالممتلكات يضع وزراء حكومة أخنوش تحت مجهر الافتحاص الدستوري

مع اقتراب انتهاء الولاية الحكومية الحالية، تتجه الأنظار إلى واحدة من أهم المحطات المرتبطة بالحكامة والشفافية في تدبير الشأن العام، والمتمثلة في عملية افتحاص التصاريح الإجبارية بالممتلكات الخاصة بأعضاء الحكومة ورؤساء دواوينهم، وهي محطة ينص عليها الدستور والقوانين التنظيمية، وتندرج ضمن الآليات الرامية إلى تعزيز النزاهة والوقاية من تضارب المصالح والإثراء غير المشروع.
ومن المرتقب، عقب انتهاء مهام حكومة عزيز أخنوش بالتزامن مع الاستحقاقات التشريعية المقبلة، أن يباشر قضاة المجلس الأعلى للحسابات دراسة ومراقبة التصريحات النهائية بالممتلكات التي سيودعها الوزراء ورؤساء دواوينهم، وذلك تطبيقا للفصل 158 من دستور المملكة، الذي أسند للمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة التصريح الإجباري بالممتلكات وتتبع مدى احترام المسؤولين العموميين للمقتضيات القانونية ذات الصلة.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة، باعتبارها لا تقتصر على مجرد إيداع وثائق إدارية، وإنما تشكل آلية دستورية لتتبع تطور الذمة المالية للمسؤولين العموميين خلال فترة تحملهم المسؤولية، وذلك من خلال مقارنة التصريح الذي تم الإدلاء به عند بداية الولاية الحكومية مع التصريح الذي يقدم عند انتهائها، من أجل الوقوف على أي تغيرات طرأت على الممتلكات أو الأصول المالية أو الاستثمارات، ومدى انسجامها مع الإطار القانوني المنظم.
وتشير معطيات متداولة إلى أن عدداً من أعضاء الحكومة عرفوا، خلال السنوات الخمس الماضية، تغيرات في أوضاعهم المالية، سواء من خلال اقتناء عقارات جديدة، أو تسجيل تطورات في قيمة مساهماتهم داخل الشركات، أو تحقيق أرباح مرتبطة باستثمارات يملكونها، وهو ما يجعل عملية تحيين التصريح بالممتلكات أكثر تعقيداً، خاصة أنها تشمل مختلف الأصول العقارية والمنقولة، والحسابات المالية، والأسهم، والاستثمارات داخل المغرب وخارجه، وفق ما يفرضه القانون.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير إعلامية عن لجوء بعض الوزراء إلى خبراء في المحاسبة والقانون الجبائي لمواكبة إعداد التصاريح النهائية، بهدف التأكد من مطابقتها للمقتضيات القانونية وتفادي أي أخطاء مادية أو إغفالات قد تستوجب تصحيحها أو تثير تساؤلات خلال مرحلة المراقبة.
ويخضع أعضاء الحكومة، طيلة فترة تحملهم المسؤولية، لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والذي يمنع عليهم ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص يمكن أن يفضي إلى تضارب المصالح، مع إلزامهم بالامتناع عن كل وضعية قد تؤثر على حيادهم في ممارسة مهامهم.
وفي المقابل، يسمح القانون للوزراء بالاحتفاظ بملكيتهم لأسهم أو حصص في شركات، شريطة عدم المشاركة في التسيير المباشر أو اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بهذه المقاولات، وهو ما يفسر اعتماد عدد من المسؤولين الحكوميين على آليات التفويض أو إسناد التسيير إلى أشخاص آخرين طوال فترة توليهم المسؤولية الحكومية.
وتكتسب عملية التصريح بالممتلكات بعداً يتجاوز الجانب الإداري، إذ أصبحت تشكل أحد المؤشرات الأساسية التي تقاس بها فعالية منظومة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل تنامي مطالب الرأي العام بتعزيز الشفافية في تدبير المال العام، وترسيخ الثقة في المؤسسات.
ويرى مختصون في الحكامة أن فعالية نظام التصريح بالممتلكات لا ترتبط فقط بإيداع التصريحات داخل الآجال القانونية، وإنما أيضاً بمدى تفعيل آليات المراقبة والتدقيق والمقارنة، حتى يتحول هذا الإجراء إلى وسيلة حقيقية للوقاية من تضارب المصالح وحماية النزاهة في تدبير الشأن العام.
كما يؤكد خبراء أن التجارب المقارنة تبين أن التصريح بالممتلكات يشكل إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الشفافية، غير أن نجاعته تظل مرتبطة بوجود منظومة متكاملة تشمل المراقبة، والتدقيق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع احترام الضمانات القانونية وقرينة البراءة.
وكان أعضاء حكومة عزيز أخنوش قد أودعوا تصريحاتهم الأولى بالممتلكات مباشرة بعد تعيينهم في أكتوبر 2021، في حين استدعى المجلس الأعلى للحسابات آنذاك بعض رؤساء الدواوين الذين تأخروا في استكمال هذا الإجراء، قبل أن تتم تسوية أوضاعهم وفق المساطر القانونية.
ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، ينتظر أن تستقطب عملية افتحاص التصاريح اهتماماً واسعاً، ليس فقط لكونها استحقاقاً دستورياً، ولكن أيضاً لأنها تندرج ضمن مسار ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات، في مرحلة يراهن فيها المغرب على تخليق الحياة العامة، وتكريس قواعد الحكامة الجيدة، وربط ممارسة المسؤولية العمومية بالالتزام الصارم بالقانون.






