رياضة

سماسرة البطولة تحت المجهر.. هل أصبح وكلاء المدربين واللاعبين يرسمون خريطة الأندية المغربية؟

لم يعد الحديث عن سوق الانتقالات في البطولة الاحترافية المغربية مقتصراً على أسماء اللاعبين والمدربين وقيمة العقود، بعدما بدأت تتسع دائرة النقاش حول الدور الذي يلعبه الوسطاء والوكلاء والسماسرة في صناعة عدد من الصفقات وتوجيه البوصلة التقنية لبعض الأندية، خصوصاً مع بروز موجات متتالية من التعاقدات التي تجعل السؤال مشروعاً حول من يصنع القرار داخل النادي: الإدارة الرياضية أم السوق أم شبكة الوسطاء التي تتحرك خلف الكواليس؟

خلال الموسم الكروي الجديد، برز الحضور البرتغالي بشكل لافت على مستوى دكة البدلاء، بعدما اختارت مجموعة من الأندية مدربين من المدرسة نفسها، في مقدمتها الفتح الرياضي، الوداد الرياضي، النادي المكناسي، الدفاع الحسني الجديدي، المغرب الفاسي، الجيش الملكي ونهضة بركان، وهي تعاقدات تعكس في ظاهرها تنوعاً في المشاريع الرياضية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن اتجاه جماعي نحو سوق تدريبية واحدة، وهو ما أعاد إلى الواجهة الدور الذي يمكن أن تلعبه شبكات الوكلاء في تسويق المدربين داخل البطولة الوطنية.

لا يتعلق الأمر هنا بتوجيه اتهام إلى أي وكيل أو نادٍ، كما لا توجد معطيات تسمح بالجزم بأن هذه التعاقدات تمت تحت ضغط السماسرة أو نتيجة مصالح تجارية غير معلنة، لكن كرة القدم الاحترافية أصبحت صناعة مالية ضخمة، وفي كل صناعة بهذا الحجم تظهر شبكات المصالح والوسطاء، ولذلك فإن تجاهل هذا الجانب من سوق الانتقالات لم يعد منطقياً، خصوصاً عندما تتكرر الأسماء والمدارس والصفقات داخل عدد من الأندية في فترة زمنية قصيرة.

السوق المغربية أصبحت جذابة بالنسبة إلى وكلاء اللاعبين والمدربين، ليس فقط بسبب ارتفاع مستوى البطولة، وإنما أيضاً بسبب الحضور المتزايد للأندية المغربية في المسابقات الإفريقية، وتطور البنية التحتية، وارتفاع قيمة اللاعبين، وتزايد اهتمام الأندية الأوروبية والعربية بالمواهب المغربية، وهو ما جعل عملية التعاقد أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق بين لاعب ونادٍ أو مدرب ورئيس فريق.

في قلب هذه المنظومة يوجد الوكيل، وهو شخص له دور قانوني ومشروع في تمثيل اللاعب أو المدرب والتفاوض باسمه والدفاع عن مصالحه، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوسيط أكثر حضوراً من المدير الرياضي، أو عندما تتحول العلاقة بين بعض الوسطاء ومسؤولي الأندية إلى قناة شبه دائمة لتمرير الأسماء والصفقات، لأن النادي في هذه الحالة قد يجد نفسه أمام سوق جاهزة أكثر مما يجد نفسه أمام اختيارات مبنية على دراسة احتياجاته.

والسؤال الذي يجب أن يطرح داخل الأندية المغربية هو بسيط: هل يتم البحث عن المدرب أولاً وفق حاجيات الفريق، ثم التواصل مع الوكيل الذي يمثل المدرب المناسب، أم أن بعض الوكلاء يعرضون مجموعة من المدربين على الأندية، فتختار الإدارة من بين الأسماء التي تصلها؟ الفرق بين الطريقتين كبير جداً، لأنه في الحالة الأولى يكون النادي هو الذي يصنع حاجته، بينما في الحالة الثانية قد يصبح السوق هو الذي يصنع اختياره.

الأمر نفسه ينطبق على اللاعبين، فبعض الأندية قد تدخل فترة الانتقالات وهي تعرف بدقة المراكز التي تحتاج إلى تعزيزها، والخصائص البدنية والتقنية المطلوبة، والفئة العمرية والميزانية، ثم تبحث عن اللاعب المناسب، بينما قد تتحول العملية في حالات أخرى إلى استقبال عروض متتالية من الوسطاء، قبل أن يجد النادي نفسه أمام مجموعة من اللاعبين الذين لم يكونوا بالضرورة ضمن احتياجاته الأصلية.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن اللاعب الذي لا يناسب المشروع الرياضي للنادي قد يتحول إلى عبء مالي وتقني، بينما يستفيد النادي فعلياً من صفقة أخرى كان يمكن أن تكون أكثر انسجاماً مع حاجياته، ولذلك فإن الاحتراف لا يعني فقط امتلاك المال للتعاقد، وإنما امتلاك القدرة على رفض الصفقة عندما لا تكون مفيدة للفريق.

المدربون البرتغاليون يقدمون نموذجاً واضحاً لهذه النقاشات، فوجود عدد كبير منهم داخل البطولة في توقيت متقارب قد يكون نتيجة طبيعية لنجاح المدرسة البرتغالية، وقد يكون انعكاساً لنشاط وكلاء معينين في السوق المغربية، وقد يكون مزيجاً بين الأمرين، لكن الحسم في ذلك يحتاج إلى معرفة كيفية اتخاذ القرارات داخل كل نادٍ، وهو أمر لا يزال في كثير من الأحيان غامضاً بالنسبة إلى الجمهور.

المشكلة ليست في أن يكون المدرب برتغالياً، ولا في أن يكون اللاعب أجنبياً، وإنما في أن تتحول الجنسية أو العلاقة مع الوكيل إلى معيار أقوى من الكفاءة والملاءمة التقنية، لأن النادي الذي يختار لاعباً أو مدرباً بناءً على مشروعه سيستفيد منه، بينما النادي الذي يختار بناءً على ما يعرضه السوق قد يجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء فريقه في كل موسم.

لقد عرفت البطولة المغربية خلال السنوات الماضية موجات متتالية من المدربين القادمين من مدارس مختلفة، وفي مرحلة معينة كان الحضور التونسي بارزاً، ثم ظهرت أسماء من مدارس أخرى، واليوم تبدو البرتغال في الواجهة، وهو ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت الأندية المغربية تمتلك فعلاً قواعد بيانات ودراسات تقنية تجعلها تصل إلى المدرب نفسه في التوقيت نفسه، أم أن شبكة السوق هي التي تجعل الأسماء نفسها تصل إلى أكثر من نادٍ.

وهذا السؤال لا يعني التشكيك في كفاءة المدربين البرتغاليين، بل على العكس، فالمدرسة البرتغالية تمتلك رصيداً مهماً في تكوين المدربين وتطوير أساليب اللعب، كما أن عدداً من مدربيها أثبتوا نجاحهم في بطولات مختلفة، لكن النجاح العالمي لمدرسة تدريبية لا يعني تلقائياً أن كل مدرب ينتمي إليها سيكون ناجحاً في البطولة المغربية.

الأندية مطالبة إذن بإعادة ترتيب علاقتها مع وكلاء الأعمال، ليس عبر إقصائهم، وإنما عبر تنظيم العلاقة معهم بشكل أكثر احترافية، من خلال اعتماد لجان تقنية واضحة، وتحديد معايير مكتوبة للانتدابات، وتوثيق مراحل البحث عن اللاعبين والمدربين، وإخضاع الاختيارات لتقييم رياضي ومالي، حتى لا تصبح الصفقة مرتبطة فقط بمن يملك شبكة العلاقات الأوسع.

كما أن الجماهير المغربية أصبحت أكثر وعياً بهذه التفاصيل، ولم تعد تنظر إلى الانتدابات باعتبارها أسماء تصل إلى النادي فقط، بل أصبحت تسأل عن قيمة العقد، ومدة الارتباط، وسيرة اللاعب، ومردوده السابق، ومن يقف وراء الصفقة، ولماذا اختير هذا اللاعب دون غيره، وهي أسئلة طبيعية في كرة قدم أصبحت ميزانياتها بملايين الدراهم.

وفي المقابل، فإن رؤساء الأندية مطالبون بإدراك أن المسؤولية النهائية لا يمكن تحميلها للوكيل، لأن الوكيل يعمل لمصلحة موكله، بينما النادي هو الذي يتحمل نتائج قراراته أمام جماهيره وأعضائه والجهات التي تموله، ولذلك فإن الإدارة الرياضية القوية هي التي تستمع إلى عروض الوكلاء لكنها لا تجعلهم يحددون احتياجات الفريق.

الأندية المغربية التي قطعت أشواطاً كبيرة في الاحتراف مطالبة اليوم بالانتقال إلى مرحلة جديدة، يكون فيها المدير الرياضي مؤسسة داخل النادي وليس مجرد منصب شكلي، وتكون فيها اللجنة التقنية قادرة على مواجهة الضغوط، ويصبح اختيار المدرب واللاعب مبنياً على البيانات والتحليل والمراقبة الميدانية، وليس فقط على العلاقات والسير الذاتية.

كما أن الحديث عن السماسرة يجب ألا يتحول إلى شماعة تعلق عليها كل الصفقات الفاشلة، لأن المسؤولية في النهاية مسؤولية النادي، وإذا تعاقد فريق مع لاعب لا يحتاجه أو مدرب لا يناسب مشروعه، فالمشكلة ليست فقط في الشخص الذي اقترح الاسم، وإنما في المؤسسة التي قبلت الاقتراح ووقعت العقد.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شفافية أكبر في سوق البطولة، ليس بالضرورة عبر نشر كل التفاصيل التجارية للعقود، وإنما عبر بناء ثقافة مؤسساتية تجعل لكل صفقة مبررات رياضية واضحة، وتجعل لكل اختيار هدفاً قابلاً للقياس، وتمنح الإدارة التقنية استقلالية حقيقية عن التدخلات الظرفية.

فالرهان اليوم أكبر من مدرب برتغالي أو لاعب أجنبي، وأكبر من صفقة نجحت أو فشلت، إنه رهان على سؤال جوهري يتعلق بمستقبل كرة القدم المغربية: من يصنع القرار الرياضي داخل النادي؟

هل هي الإدارة التي تضع مشروعها وتبحث عن أدوات تنفيذه، أم المدرب الذي يفرض احتياجاته، أم وكيل اللاعبين الذي يقدم قائمته، أم شبكة السماسرة التي تعرف جيداً كيف تتحرك داخل السوق؟

الإجابة ستحدد إلى حد كبير مستقبل البطولة، لأن الأندية التي تمتلك مشروعاً واضحاً ستستخدم الوكلاء كأداة للوصول إلى أفضل الخيارات، بينما الأندية التي لا تمتلك مشروعاً قد تجد نفسها رهينة لما يعرضه السوق.

وفي كرة القدم الحديثة، لا تكمن قوة النادي في عدد الوسطاء الذين يعرفهم، وإنما في قدرته على اختيار الوسيط المناسب، ورفض الصفقة غير المناسبة، وحماية قراره الرياضي من أي تأثير لا يخدم مصلحة الفريق.

وهنا بالضبط يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي حول «سماسرة البطولة»: ليس بهدف شيطنة مهنة الوكالة، وإنما من أجل معرفة حدود الدور الذي ينبغي أن يلعبه الوسيط، وحدود المسؤولية التي يجب أن تبقى بيد النادي، حتى لا تتحول سوق الانتقالات من أداة لبناء الفرق إلى سوق تصنع الفرق وفق مصالحها الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى