صحة

بعد شهر من انطلاق المجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس.. الإصلاح على الورق والمرضى ينتظرون التغيير في المستشفيات

مر شهر كامل تقريباً على دخول المجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس حيز العمل الفعلي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد يتعلق بتاريخ إطلاق هذا الورش أو بالأهداف التي حملها، وإنما بما إذا كان المواطن قد بدأ فعلاً في لمس نتائج هذا التحول داخل المستشفيات والمراكز الصحية التي يقصدها يومياً بحثاً عن العلاج.

فمنذ فاتح شتنبر دخلت جهة فاس-مكناس مرحلة جديدة في تدبير قطاع الصحة، وفق تصور رسمي يقوم على توحيد الحكامة وتنسيق العرض الصحي وتنظيم مسارات العلاج وتحسين توزيع الموارد البشرية والتجهيزات وتقريب الخدمات من السكان.

غير أن الانتقال من الهيكلة الإدارية إلى تحسين الخدمة الصحية يظل هو الاختبار الحقيقي، وهو اختبار لا يمكن قياسه بالاجتماعات والمراسلات والمخططات، وإنما بما يجده المريض عندما يصل إلى المستشفى، وبالمدة التي ينتظرها، وبمدى توفر الطبيب والتجهيز والدواء والفحص، وبقدرة المؤسسة الصحية على التكفل بالحالات في ظروف تحفظ كرامة المرتفق.

وتزداد صعوبة الاختبار في جهة تضم حوالي 4.5 ملايين نسمة، أي ما يقارب 12 في المائة من سكان المغرب، وتتوفر على 427 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وخدمات القرب، إضافة إلى خمس مؤسسات استشفائية جامعية و14 مؤسسة استشفائية جهوية وإقليمية ومؤسسات للقرب، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس. وهي أرقام تكشف منذ البداية أن الأمر يتعلق بأحد أكبر الأوراش الصحية على المستوى الجهوي، وأن أي اختلال في الحكامة أو توزيع الموارد ستكون له انعكاسات واسعة على حياة المواطنين.

ومن هنا يبدأ السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا تغير فعلياً بعد مرور شهر؟

المواطن الذي يتوجه إلى المستشفى لا يتعامل مع الهيكل التنظيمي للمجموعة الصحية الترابية، ولا مع برنامج عملها أو ميزانيتها، وإنما يتعامل مع واقع يومي بسيط وواضح: هل وجد الخدمة أم لا؟

هل تقلصت آجال الانتظار؟ هل أصبح الوصول إلى الفحوصات والتخصصات أكثر سهولة؟ هل تحسنت ظروف الاستقبال؟ هل خف الضغط عن المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس؟ وهل أصبح المريض القادم من تاونات أو بولمان أو صفرو أو مولاي يعقوب مضطراً إلى قطع المسافات نفسها بحثاً عن تخصص غير متوفر في مؤسسته الإقليمية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها الإدارة الجديدة، لا بالبلاغات، وإنما بالأرقام والمؤشرات.

والأكثر إثارة للانتباه أن النقاش داخل القطاع لم ينته مع ولادة المجموعة الصحية الترابية، بل انتقل معها إلى مرحلة جديدة، إذ ظهرت خلال شتنبر انتقادات مهنية بشأن حركة انتقالية شملت أطباء وممرضين وأطرًا إدارية، مع مطالب بالكشف عن المعايير التي تم اعتمادها في هذه العملية ومدى ارتباطها بالحاجيات الحقيقية للمؤسسات الصحية.

وتتحدث معطيات مهنية منشورة عن انتقال أطر إلى المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بمكناس، وسط تساؤلات حول ملاءمة بعض التخصصات والمؤهلات مع حاجيات المؤسسة المستقبلة، كما أثيرت أرقام بشأن ارتفاع عدد العاملين بالمعهد، وهي معطيات تحتاج إلى توضيح رسمي من إدارة المجموعة الصحية الترابية حتى تتحول من مجرد معطيات مهنية متداولة إلى أرقام موثقة.

وهنا تحديداً يظهر أحد الاختبارات الأصعب أمام الإدارة الجديدة: لا يمكن الحديث عن إعادة توزيع الموارد البشرية بمعزل عن الخصاص الموجود داخل المستشفيات.

إذا كان الهدف من المجموعة الصحية الترابية هو عقلنة الموارد وتوجيهها نحو الأماكن الأكثر حاجة، فإن السؤال المشروع هو: أين توجد الخصاصات؟ وكم عدد الأطباء والممرضين والتقنيين الذين تحتاجهم كل مؤسسة؟ وما هي المعايير التي تم اعتمادها في النقل وإعادة الانتشار؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إدارياً، لأنها تمس جوهر الإصلاح.

فالمستشفى الذي يعاني من نقص في الممرضين لن يستفيد من أي تغيير في الهيكلة إذا استمر الخصاص نفسه، والمريض الذي ينتظر موعداً طويلاً مع طبيب متخصص لن يشعر بأن الحكامة أصبحت جهوية إذا بقيت الخدمة نفسها، وسكان المناطق القروية والجبلية لن يعتبروا أن العدالة المجالية تحققت إذا ظلوا مضطرين إلى التوجه إلى فاس ومكناس من أجل خدمات يفترض أن تكون أقرب إليهم.

وهذا بالضبط ما حذرت منه المعطيات التي سبقت إطلاق المجموعة نفسها، إذ كان التفاوت في الولوج إلى الخدمات بين الأقاليم والمناطق القروية والجبلية من أبرز التحديات التي جرى التنبيه إليها، إلى جانب الضغط الكبير على المؤسسات المرجعية بفاس ومكناس.

أما المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، فيظل في قلب هذه المعادلة، باعتباره قطباً استشفائياً مرجعياً يستقبل الحالات المعقدة من مختلف أقاليم الجهة،و بات يواجه الإكتضاض و أن الوصول الى الطبيب او الإستشفاء فإنه اصبح من السبع المستحيلات.

وإذا كانت المجموعة الصحية الترابية تريد فعلاً تخفيف الضغط عن هذا المركز، فإن الحل لا يكمن فقط في تنظيم الإحالة على المرضى، بل في تقوية المستشفيات الإقليمية والجهوية وتوفير التخصصات والموارد البشرية والتجهيزات التي تمكنها من التكفل بعدد أكبر من الحالات قبل وصولها إلى المستشفى الجامعي.

وهنا أيضاً ينبغي طرح السؤال بوضوح: أين وصلت عملية تأهيل المستشفيات الإقليمية والجهوية التي دعا رئيس الحكومة، خلال أول مجلس إدارة للمجموعة، إلى تسريع إنجازها؟

ففي التاسع من يونيو الماضي، لم يكتف رئيس الحكومة بالإعلان عن أهمية المجموعة الصحية الترابية، وإنما دعا إلى مضاعفة الجهود وتسريع مشاريع بناء وتأهيل المستشفيات الإقليمية والجهوية، باعتبارها جزءاً من المخطط الاستعجالي لتعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات من المواطنين.

بعد مرور أشهر على ذلك، وبعد شهر من الدخول الفعلي للمجموعة، يصبح من المشروع أن تسأل ساكنة الجهة عن حصيلة هذه المشاريع ومواعيد دخولها الخدمة، وعن الموارد البشرية التي ستشتغل داخلها، وعن قدرتها الفعلية على تخفيف الضغط عن المؤسسات المرجعية.

المفارقة أن الخطاب الرسمي حول المجموعة الصحية الترابية كان واضحاً جداً في تحديد الأهداف.

فخلال أول مجلس إداري، جرى التأكيد على تنظيم مسارات العلاج، وتقوية التنسيق بين الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات، وتحسين توجيه المرضى بين مستويات العلاج، وتحسين استعمال الموارد البشرية والتجهيزات، وتسريع التحول الرقمي وآليات التتبع والتقييم.

لكن كل هذه العناوين تحتاج اليوم إلى أول حصيلة.

ليس المطلوب من الإدارة أن تقدم للمواطن عشرات الصفحات من المؤشرات التقنية، بل أن تجيب عن أسئلة بسيطة: كم انخفض وقت الانتظار؟ كم من موعد تم تقليص أجله؟ كم مؤسسة استفادت من إعادة توزيع الموارد؟ كم من مصلحة تم تعزيزها؟ كم من سرير دخل الخدمة؟ كم من جهاز طبي تم تشغيله؟ وما هي الأقاليم التي استفادت فعلياً من تحسين العرض الصحي؟

وبدون هذه الأرقام، يبقى الإصلاح في منطقة وسطى بين الهيكلة الإدارية والنتيجة الاجتماعية.

أما على مستوى التواصل، فإن المرحلة الجديدة تحتاج أيضاً إلى حضور مؤسساتي أكثر وضوحاً، لأن الإدارة الجهوية للصحة أصبحت مسؤولة عن منظومة ضخمة ومتعددة الأقاليم، ولا يمكن أن تنجح في بناء الثقة مع المواطنين والمهنيين بمنطق الصمت أو الاكتفاء بالمراسلات الداخلية.

صحيح أن المدير العام للمجموعة الصحية الترابية وجه في 24 شتنبر دعوة رسمية إلى النقابات لعقد اجتماع تنسيقي، وهو ما يؤكد وجود قناة للحوار المؤسساتي مع الشركاء الاجتماعيين، لكن حجم الانتظارات والملفات العالقة يجعل التواصل المنتظم والمعلن ضرورة، وليس ترفاً إدارياً.

فالقطاع الصحي لا يحتمل فراغاً في التواصل.

عندما تتحدث النقابات عن انتقالات وتعيينات ومعايير لإعادة توزيع الأطر، وعندما تثار أسئلة حول الخصاص، فإن أفضل جواب ليس الصمت، وإنما نشر المعطيات الرسمية التي توضح أين توجد الموارد البشرية وكيف أعيد توزيعها ولماذا.

وعندما يشتكي المواطن من الانتظار أو صعوبة الوصول إلى تخصص معين، فإن الحل لا يكون في الدفاع عن صورة المؤسسة، بل في تقديم أرقام حول الطاقة الاستيعابية والمواعيد والموارد المتاحة والإجراءات التي اتخذت لمعالجة الخلل.

وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام البروفيسور عبد الكريم الداودي، الذي قرر الإشتغال بنهج سياسة الإختفاء و عدم الظهور و التواري عن الأنضار،و مع العلم أنه لا يدير مستشفى واحداً، وإنما منظومة صحية جهوية شاسعة تمتد عبر فاس ومكناس وتازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب.

المسؤولية هنا لم تعد مسؤولية مدير مؤسسة منفردة، بل مسؤولية بناء نموذج جديد للتدبير الصحي الجهوي.

والنجاح لن يقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد القرارات الإدارية، وإنما بقدرة هذا النموذج على الوصول إلى المواطن في آخر نقطة بالجهة.

فإذا بقي المريض في تاونات أو بولمان أو صفرو أو مولاي يعقوب مضطراً إلى التوجه إلى فاس للحصول على خدمات أساسية، وإذا استمر الضغط على المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، وإذا بقيت المؤسسات الإقليمية عاجزة عن استيعاب جزء أكبر من الحالات بسبب نقص الأطر والتجهيزات، فإن تغيير الهيكلة لن يكون كافياً لإقناع المواطن بأن شيئاً جوهرياً قد تغير.

المجموعة الصحية الترابية بدأت عملها إذن، لكن الامتحان لم يبدأ في مكاتب الإدارة.

الامتحان بدأ في أقسام المستعجلات، وقاعات الانتظار، ومواعيد الفحوصات، وغرف العمليات، ومصالح الولادة، والمراكز الصحية القروية، وعلى أبواب المستشفيات التي يقصدها المواطن وهو لا يريد سوى شيء واحد: أن يجد العلاج في الوقت المناسب وبالظروف التي تحفظ كرامته.

وبعد شهر من الانطلاق، لم يعد السؤال هو: هل بدأت المجموعة الصحية الترابية؟

هذا أصبح أمراً محسوماً.

السؤال الأصعب هو: متى سيبدأ المواطن في رؤية أثرها؟

وإلى أن تقدم الإدارة أرقاماً واضحة حول ما تغير خلال الشهر الأول، ستظل الفجوة قائمة بين إصلاح مؤسساتي واسع أعلنت الدولة أنه سيغير طريقة تدبير الصحة بالجهة، وبين واقع صحي لا يزال يحتاج إلى إجابات عملية حول الموارد البشرية، والتجهيزات، والانتظار، وتوزيع الخدمات، ومسارات العلاج، والعدالة المجالية.

وهنا تحديداً يجب أن يبدأ التقييم الحقيقي للمجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس: ليس من المكاتب، وإنما من المريض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى