مونديال أمريكا بين “الفرجة الرسمية” واحتراق الداخل الاجتماعي.. ريع السفريات يفضح اختلالات الاختيار والمسؤولية

في الوقت الذي تتصاعد فيه موجات الغضب الاجتماعي داخل عدد من المدن المغربية، وعلى رأسها فاس، بفعل تراكم الأزمات المرتبطة بالخدمات العمومية والبنيات التحتية والقدرة الشرائية، برزت إلى السطح موجة واسعة من الانتقادات بعد تداول صور ومعطيات تفيد بسفر عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات وبعض المسؤولين والبرلمانيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لحضور مباريات المنتخب الوطني في إطار مونديال يُتابعه العالم من المدرجات والملاعب.
هذه “الهجرة الموسمية” التي رافقتها تعليقات حادة على مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت طرح سؤال جوهري حول طبيعة الاختيارات الإدارية والسياسية في تدبير المال العام، وحدود الفصل بين المهام الرسمية والاستفادة غير المبررة من الامتيازات المرتبطة بالتمثيل أو التكليف.
ريع السفريات.. حين يتحول المال العام إلى امتياز شخصي
المعطيات المتداولة تشير إلى أن هذه التنقلات شملت فئات مختلفة من المسؤولين، من منتخبين محليين ورؤساء جماعات، إلى كتاب عامين وبعض ممثلي قطاعات حكومية وبرلمانيين، وسط تساؤلات واسعة حول طبيعة التكاليف المترتبة عن هذه الرحلات، والتي تشمل عادة تذاكر سفر عبر القارات، وإقامات في فنادق مصنفة، وتعويضات يومية، فضلاً عن امتيازات مرتبطة بحضور المباريات.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة مفهوم “ريع السفريات”، باعتباره أحد أوجه الهدر غير المباشر للمال العام، حيث تتحول مهام يفترض أن تكون مرتبطة بالتمثيل الرسمي أو العمل المؤسسي إلى فرص للاستجمام والتنقل والترفيه، على حساب أولويات اجتماعية واقتصادية ملحة داخل البلاد.
وفي السياق ذاته، يطرح الرأي العام سؤالاً حساساً: إلى أي حد يتم تبرير هذه التنقلات باعتبارها “مهام رسمية”، في حين أن جزءاً كبيراً من القضايا العالقة داخل الإدارات والجماعات الترابية يظل دون معالجة بسبب غياب نفس هؤلاء المسؤولين عن مواقعهم الأصلية؟
اختلالات الاختيار.. من يمثل من؟
أحد أبرز النقاط التي فجرت الجدل يتعلق بكيفية اختيار الأسماء الموفدة إلى الخارج. لوائح تظهر ان هناك اشخاص لا يستحقون تمثيل المؤسسات الرسمية، فبدلاً من اعتماد معايير واضحة ترتبط بالكفاءة أو التخصص أو الحاجة الفعلية للتمثيل المؤسساتي، تشير الانتقادات إلى هيمنة منطق الزبونية والمحسوبية في تحديد لوائح السفر.
هذا الوضع يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول معايير التمثيلية: من يمثل الدولة أو الجماعات الترابية في حدث رياضي عالمي؟ وهل تتحول مثل هذه المناسبات إلى امتياز موزع داخل دوائر ضيقة بدل أن تكون فرصة لتعزيز الدبلوماسية الرياضية أو الترويج للمصالح الوطنية بشكل مؤطر وشفاف؟
في المقابل، يرى منتقدون أن إقصاء فئات واسعة من الشباب والأطر الرياضية والجمعوية من هذه الفرص يعكس خللاً بنيوياً في منطق الاختيار، حيث يتم تهميش الفاعلين الحقيقيين في الميدان الرياضي، مقابل تمكين أسماء سياسية أو إدارية لا تربطها علاقة مباشرة بتطوير الرياضة أو العمل التكويني.
الشباب المغيب.. والخبرة التي لا تجد طريقها
في ظل هذه الصورة، يبرز بوضوح إقصاء الشباب والفاعلين الرياضيين الحقيقيين، سواء داخل الأندية المحلية أو الجمعيات الرياضية أو الأطر التكوينية، الذين يشتغلون في ظروف محدودة وبموارد شبه منعدمة، من أي تمثيلية في مثل هذه المناسبات الدولية.
هذا الإقصاء لا يقتصر على الجانب الرمزي فقط، بل يعكس فجوة في رؤية السياسات العمومية تجاه الرياضة والشباب، حيث يتم التعامل مع المجال الرياضي أحياناً كواجهة بروتوكولية، بدل اعتباره قطاعاً استراتيجياً لتكوين الأجيال وصناعة الكفاءات.
مسؤولية مفقودة بين الحكومة والبرلمان والجماعات
الجدل لا يتعلق فقط بالسفر في حد ذاته، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق حول مفهوم المسؤولية داخل مختلف مستويات القرار. فبين الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية، تبرز إشكالية واضحة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتدبير المال العام أو تحديد الأولويات الوطنية.
فكيف يمكن تبرير غياب مسؤولين عن مواقعهم في لحظة تتراكم فيها ملفات اجتماعية واقتصادية حساسة، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأولوية لمعالجة الأزمات الداخلية، لا المشاركة في مناسبات خارجية ذات طابع ترفيهي أو رمزي؟
هذه الأسئلة تعيد طرح النقاش حول فعالية الرقابة المؤسساتية، ودور آليات التفتيش والمحاسبة في ضبط استعمال المال العام، خاصة في ما يتعلق بالبعثات الرسمية والتنقلات الخارجية.
الفوضى التدبيرية وغياب المعايير الواضحة
ما يزيد من حدة الجدل هو غياب معايير شفافة وواضحة تحكم قرارات التكليف بالسفر. فغياب التأطير الصارم يجعل الباب مفتوحاً أمام قراءات متعددة، بعضها يعتبر أن هذه التنقلات تدخل في إطار “الدبلوماسية الرياضية”، بينما يرى آخرون أنها تعبير عن فوضى تدبيرية تسمح باستغلال المناسبات الكبرى لأغراض شخصية.
وفي غياب توضيحات رسمية دقيقة حول طبيعة هذه الوفود ومهامها الحقيقية، تبقى الصورة العامة محكومة بتأويلات الشارع، التي غالباً ما تميل إلى ربط هذه التحركات بمظاهر الريع والامتياز غير المبرر.
بين الفرجة الخارجية والأزمة الداخلية
المفارقة التي تزيد من حدة الانتقاد هي التناقض الصارخ بين أجواء السفر نحو ملاعب المونديال في الولايات المتحدة، وبين الواقع الاجتماعي في عدد من المدن المغربية، حيث تتراكم الملفات المرتبطة بالبنية التحتية، والنقل، والخدمات الأساسية، والقدرة الشرائية.
هذا التناقض يغذي شعوراً متزايداً لدى فئات واسعة من المواطنين بأن جزءاً من النخب السياسية والإدارية يعيش في “عالم موازٍ”، بعيد عن الأولويات اليومية للمجتمع، وهو ما يضعف الثقة في المؤسسات ويعمق فجوة التمثيل.
سؤال المسؤولية قبل سؤال السفر
قضية سفريات المسؤولين إلى مونديال أمريكا ليست مجرد جدل حول رحلة أو حدث رياضي، بل هي مرآة تعكس إشكالات أعمق تتعلق بطريقة تدبير المال العام، ومعايير التمثيل، وحدود المسؤولية السياسية والإدارية.
وبين من يرى فيها نشاطاً رسمياً مشروعاً، ومن يعتبرها شكلاً من أشكال الريع المقنن، يبقى السؤال المركزي قائماً: كيف يمكن ضمان أن تتحول مثل هذه المناسبات إلى فرصة حقيقية للدبلوماسية والترويج الوطني، بدل أن تتحول إلى امتيازات فردية تُموّل من المال العام في وقت يواجه فيه الداخل الاجتماعي ضغوطاً متزايدة؟
وفي انتظار توضيحات رسمية أكثر شفافية، يبقى الرهان الحقيقي هو إعادة الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كشرط أساسي لاستعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات التمثيل والتدبير.






