غرفة الجنايات المالية بفاس تطوي ملف “تبديد الأموال” بمولاي يعقوب وتبرئ الدواحي رئيس المجلس الإقليمي ومن معه

أعادت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس، من خلال حكمها القاضي ببراءة رئيس المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب جواد الدواحي ومن معه، فتح النقاش مجدداً حول طبيعة المتابعات المرتبطة بجرائم المال العام، وحدود التداخل بين تصفية الحسابات السياسية والعمل القضائي، خاصة في ظل الجدل الكبير الذي رافق خلال السنوات الأخيرة عدداً من الملفات المرتبطة بمنتخبين ورؤساء جماعات ومجالس ترابية.
وقضت الهيئة القضائية المكلفة بالجرائم المالية، بعد جلسات مطولة ومداولات قانونية، ببراءة جواد الدواحي وثمانية متابعين آخرين، من بينهم موظفون وأطر مرتبطة بالمجلس الإقليمي، من التهم التي كانت تلاحقهم والمتعلقة باختلاس وتبديد أموال عمومية، والتزوير في محررات رسمية ووثائق إدارية واستعمالها، إضافة إلى استغلال النفوذ.
وكان الملف قد انطلق بناءً على شكايات ومعطيات دفعت الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس إلى إعطاء تعليماته للفرقة الجهوية للدرك الملكي من أجل تعميق البحث في شبهات مرتبطة بتدبير بعض النفقات والصفقات داخل المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب، وهي القضية التي أخذت أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة بالنظر إلى موقع الدواحي داخل المشهد الانتخابي بالإقليم.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن الملف لم يكن بعيداً عن أجواء الصراع السياسي وتصفية الحسابات بين الفرقاء، خاصة وأن مرحلة ما قبل تحريك الأبحاث كانت قد عرفت سجالات قوية داخل الساحة السياسية المحلية، واستعمال ملفات المال العام كورقة ضغط متبادلة بين الخصوم السياسيين، في ظل النصوص القانونية السابقة التي كانت تسمح بتعدد الشكايات وإمكانية تحريك ملفات ذات طابع مالي بناءً على تبليغات وشكايات مباشرة.
غير أن الجدل الذي رافق عدداً من هذه القضايا دفع وزارة العدل إلى إدراج مقتضيات جديدة ضمن مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي قدمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، والذي أثار نقاشاً واسعاً داخل البرلمان والأوساط الحقوقية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بالمادة المرتبطة بجرائم المال العام وكيفية تحريك المتابعات بشأنها.
ويقوم التوجه الجديد، الذي دافع عنه الوزير وهبي بقوة داخل البرلمان، على تقييد تحريك المتابعات في قضايا تبديد واختلاس المال العام وربطها بتقارير وإحالات صادرة عن المؤسسات الدستورية والجهات المختصة قانوناً، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة والهيئات الرقابية الرسمية، بدل فتح الباب أمام شكايات يعتبرها البعض أحياناً ذات خلفيات سياسية أو انتخابية.
وقد اعتبر وزير العدل أن مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد يهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية المال العام وضمان عدم توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية، مؤكداً أن النص يشكل محطة إصلاحية كبرى في تحديث العدالة الجنائية بالمغرب.
في المقابل، أثارت هذه التعديلات نقاشاً حاداً داخل الأوساط الحقوقية، حيث اعتبرت بعض الجمعيات أن تقييد تحريك المتابعات قد يحد من دور المجتمع المدني في التبليغ عن قضايا الفساد، بينما ترى أطراف أخرى أن المرحلة السابقة شهدت بالفعل نوعاً من “فوضى الشكايات” التي استُعملت أحياناً كوسيلة للضغط السياسي والانتخابي على عدد من المنتخبين والمسؤولين الترابيين.
وفي خضم هذا الجدل، يأتي حكم البراءة الصادر في حق جواد الدواحي ومن معه ليعيد طرح أسئلة عميقة حول التمييز بين الاختلالات التدبيرية ذات الطابع الإداري، وبين الجرائم المالية التي تستوجب المتابعة الجنائية، خاصة في ظل تعقيد مساطر تدبير الشأن المحلي وتداخل المسؤوليات داخل الجماعات والمجالس المنتخبة.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة ستعرف تحولات كبيرة في طريقة التعاطي مع ملفات المال العام، خصوصاً بعد التوجه نحو تعزيز دور المؤسسات الرقابية الرسمية وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق مساطر قانونية أكثر دقة، بما يضمن حماية المال العام من جهة، ويحافظ في الآن نفسه على استقرار المؤسسات المنتخبة من الاستغلال السياسي للقضاء من جهة ثانية.






