اقتصاد

“مرحبا 2026” على إيقاع الحدود الذكية.. النظام البيومتري الأوروبي يفتح مرحلة جديدة في عبور الجالية المغربية

تستعد عملية “مرحبا 2026”، التي تعد واحدة من أكبر عمليات العبور الموسمية بين أوروبا وإفريقيا، لدخول مرحلة جديدة وغير مسبوقة هذا الصيف، بعد شروع الاتحاد الأوروبي في تفعيل نظامه الرقمي البيومتري الجديد الخاص بالدخول والخروج من فضاء شنغن، في خطوة ستغير بشكل جذري طريقة عبور الحدود بالنسبة لملايين المسافرين، وعلى رأسهم الجالية المغربية المقيمة بأوروبا.

ولسنوات طويلة، ارتبطت عملية العبور الصيفية للمغاربة المقيمين بالخارج بصور الطوابير الطويلة والانتظار لساعات داخل الموانئ والمعابر الحدودية، خاصة في جنوب إسبانيا، غير أن صيف 2026 يحمل معه تحولاً تقنياً عميقاً، عنوانه الانتقال من الختم اليدوي التقليدي على جوازات السفر إلى منظومة رقمية تعتمد على التعرف على الوجه وأخذ البصمات والتحقق الإلكتروني الفوري من هوية المسافرين.

ويقوم النظام الأوروبي الجديد، المعروف اختصاراً بـEES، على تسجيل المعطيات البيومترية للمسافرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي، عبر تصوير الوجه وأخذ بصمات الأصابع وربطها بقاعدة بيانات أوروبية موحدة، بما يسمح بتتبع عمليات الدخول والخروج بشكل رقمي ودقيق، دون الحاجة مستقبلاً إلى أختام الجوازات التقليدية التي ظلت معتمدة لعقود.

ورغم أن هذه الإجراءات أثارت في البداية مخاوف لدى عدد من أفراد الجالية المغربية، بسبب التخوف من بطء العبور أو ارتفاع مدة الانتظار خلال الأسابيع الأولى من التطبيق، فإن عدداً من الخبراء يعتبرون أن النظام الجديد، على المدى المتوسط، قد يساهم في تسريع الإجراءات بدل تعقيدها، خاصة بعدما تصبح البيانات البيومترية مسجلة مسبقاً داخل النظام الأوروبي.

ويرى متابعون أن التخوفات الحالية مرتبطة أساساً بمرحلة الانتقال الأولى، لأن تسجيل البصمات والمعطيات البيومترية سيتم بشكل كامل عند أول عبور، بينما ستكون العمليات اللاحقة أكثر سرعة وسلاسة، إذ سيجري التحقق إلكترونياً من الهوية دون الحاجة إلى العودة في كل مرة إلى المساطر التقليدية المرتبطة بالختم اليدوي ومراقبة الوثائق بشكل مطول.

كما يعتبر مختصون في النقل واللوجستيك أن الانتقال إلى الحدود الذكية أصبح توجهاً عالمياً فرضته التحولات الأمنية والتكنولوجية، خصوصاً في ظل تنامي شبكات الهجرة السرية وتزوير الوثائق وجوازات السفر والتأشيرات، وهو ما جعل عدداً متزايداً من الدول يعتمد الأنظمة البيومترية لتعزيز مراقبة الحدود وضمان دقة أكبر في التحقق من هوية المسافرين.

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن المغرب بدوره مطالب بمواصلة تحديث منظومته الحدودية والرقمية، والانخراط بشكل أكبر في اعتماد التقنيات البيومترية الحديثة، سواء داخل المطارات أو الموانئ والمعابر البرية، لما توفره من حماية أمنية متقدمة وقدرة أكبر على محاربة التزوير والاتجار بالهويات والهجرة غير النظامية.

كما أن اعتماد هذه الأنظمة، وفق خبراء، لا يرتبط فقط بالجانب الأمني، بل يندرج أيضاً ضمن تحديث الخدمات الحدودية وتبسيط إجراءات العبور، خصوصاً بالنسبة للدول التي تعرف حركية سفر ضخمة مثل المغرب.

وتبقى الجالية المغربية المقيمة بأوروبا في صلب هذا التحول، بالنظر إلى أن مئات الآلاف من المغاربة يعبرون سنوياً نحو المملكة عبر الموانئ الإسبانية، خصوصاً انطلاقاً من فرنسا وبلجيكا وهولندا، حيث تتحول الطرق السيارة المؤدية إلى الجنوب الإسباني كل صيف إلى شريان بشري ضخم في اتجاه موانئ العبور نحو المغرب.

وفي ظل النظام الجديد، كثفت السلطات الإسبانية والأوروبية استعداداتها التقنية واللوجستية لتفادي أي اختناقات محتملة خلال ذروة السفر الصيفي، من خلال تعزيز الموارد البشرية، ورفع عدد الرحلات البحرية، وتجهيز المعابر بالبنيات الرقمية المرتبطة بالتسجيل البيومتري.

كما باشرت شركات الملاحة الجوية والبحرية توجيه إشعارات للمسافرين بضرورة الحضور المبكر واستكمال الوثائق المطلوبة، تحسباً للضغط المتوقع خلال الأسابيع الأولى من دخول النظام حيز التنفيذ.

ويرى متابعون أن نجاح “مرحبا 2026” لن يقاس فقط بحجم التدفقات البشرية المعتادة، بل بقدرة الأنظمة الرقمية الجديدة على تدبير هذا الكم الهائل من المسافرين دون خلق شلل لوجستي داخل الموانئ والمعابر الحدودية.

وفي المقابل، يؤكد خبراء أن النظام البيومتري الأوروبي، رغم ما يثيره من نقاش، يشكل خطوة متقدمة نحو إنهاء الفوضى المرتبطة بختم الجوازات وتعدد عمليات المراقبة التقليدية، حيث سيصبح العبور مستقبلاً أكثر ارتباطاً بالتحقق الرقمي السريع من الهوية بدل الإجراءات الورقية القديمة.

كما أن التحول الرقمي في مراقبة الحدود بات اليوم واقعاً عالمياً لا يمكن تفاديه، في ظل التحديات الأمنية والهجرات العابرة للحدود وتطور تقنيات التزوير، وهو ما يجعل من “مرحبا 2026” محطة مفصلية في تاريخ عبور الجالية المغربية، بين مخاوف البداية ورهانات الانتقال نحو جيل جديد من الحدود الذكية والسفر الرقمي السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى