ثقافة

إصلاح الجامعة يخلق جدلا بالبرلمان.. هل تنجح الحكومة في الوفاء بوعود إنهاء الاكتظاظ وتحقيق العدالة المجالية؟

عاد ملف إصلاح الجامعة المغربية إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعدما كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، عن معطيات جديدة تخص مشروع الخريطة الجامعية الوطنية، الذي تراهن عليه الحكومة لإعادة هيكلة التعليم العالي، وتجاوز أزمة الاكتظاظ، وتحقيق عدالة مجالية طال انتظارها داخل عدد من جهات المملكة.

وأعلن ميداوي، خلال جلسة بمجلس المستشارين، أن المرحلة الأولى من هذا المشروع تشمل إحداث 26 مؤسسة جامعية جديدة، وصلت مراسيم إحداثها إلى المراحل الأخيرة من المصادقة، فيما يرتقب أن يشمل “الفوج” الثاني 23 مؤسسة إضافية، في إطار رؤية حكومية تهدف إلى إعادة توزيع العرض الجامعي على المستوى الترابي.

تصريحات الوزير أعادت فتح أسئلة قديمة ـ جديدة حول مستقبل الجامعة العمومية بالمغرب، ومدى قدرة الحكومة على الوفاء بوعودها المتعلقة بإحداث نوى جامعية بمختلف الجهات، خصوصاً بالمناطق التي ظلت لعقود تعاني هشاشة العرض الجامعي، وما ينتج عن ذلك من ضغط واكتظاظ وهدر جامعي وهجرة طلابية نحو المدن الكبرى.

الجامعة المغربية تحت ضغط الاكتظاظ

منذ سنوات، تعيش الجامعات المغربية على وقع ضغط متزايد بسبب الارتفاع المستمر في أعداد الطلبة، مقابل محدودية البنيات التحتية وضعف الطاقة الاستيعابية في عدد من المؤسسات الجامعية.

وباتت مشاهد المدرجات المكتظة، وضعف التأطير البيداغوجي، والضغط الكبير على الأحياء الجامعية وخدمات النقل والإطعام، من أبرز التحديات التي تواجه منظومة التعليم العالي، خصوصاً في الجامعات الكبرى التي تستقطب عشرات الآلاف من الطلبة سنوياً.

وفي هذا السياق، أقر الوزير ميداوي بشكل ضمني بحجم الأزمة، عندما أكد أن الهدف الأول من مشروع الخريطة الجامعية هو معالجة إشكالية الاكتظاظ والحفاظ على جودة التكوين والخدمات المقدمة للطلبة.

ويبدو أن الحكومة تسعى من خلال هذا الورش إلى إعادة توزيع الكثافة الطلابية بشكل أكثر توازناً، عبر خلق مؤسسات جامعية جديدة تستجيب للخصوصيات الجهوية والحاجيات الاقتصادية المحلية، بدل استمرار تمركز الجامعات الكبرى داخل محاور محدودة.

جامعة ابن زهر.. نموذج أزمة التوسع الجامعي

ومن أبرز النقاط التي أثارت الانتباه في تصريحات الوزير، حديثه عن وضعية جامعة ابن زهر، التي وصفها بأنها تغطي حوالي 55 بالمائة من التراب الوطني، وتضم ما يقارب 170 ألف طالب، في واحدة من أكبر الكتل الجامعية بالمملكة.

هذا الرقم يعكس حجم الضغط الذي تعيشه الجامعة، ويكشف في الآن ذاته الاختلال الكبير في توزيع المؤسسات الجامعية بين الجهات، حيث تضطر جامعة واحدة لتغطية مجالات ترابية شاسعة تمتد من أكادير إلى الأقاليم الجنوبية.

ولهذا، يقترح مشروع الخريطة الجامعية تحويل جامعة ابن زهر إلى خمس جامعات مستقلة، تشمل جامعات العيون والداخلة وكلميم، إلى جانب جامعتين بأيت ملول وأكادير، مع إلحاق ورزازات بجهتها الأصلية، في خطوة تروم تقريب الجامعة من الطلبة وتخفيف الضغط الإداري والبيداغوجي.

ويرى متابعون أن هذا التوجه قد يشكل نقطة تحول حقيقية في تدبير التعليم العالي بالأقاليم الجنوبية والجهات البعيدة عن المركز، خاصة إذا تم تنزيله وفق رؤية متكاملة تشمل البنيات والتجهيزات والموارد البشرية، وليس فقط عبر تقسيم إداري للمؤسسات.

هل تفي الحكومة بوعود “النواة الجامعية”؟

ورغم الطموح الكبير الذي تحمله التصريحات الحكومية، فإن عدداً من المتابعين يتساءلون حول مدى قدرة الحكومة على تنزيل هذه المشاريع فعلياً على أرض الواقع، خاصة أن ملف إحداث النوى الجامعية ظل لسنوات موضوع وعود سياسية متكررة دون تحقيق كامل للأهداف المعلنة.

فعدة مدن وأقاليم ما تزال تطالب إلى اليوم بإحداث مؤسسات جامعية مستقلة أو توسيع العرض الجامعي بها، بسبب معاناة الطلبة مع التنقل والهجرة نحو المدن الكبرى، وما يرافق ذلك من أعباء اجتماعية ومادية تثقل كاهل الأسر المغربية.

كما أن تجربة بعض “النوى الجامعية” السابقة أظهرت أن الإشكال لا يرتبط فقط بفتح بنايات أو ملحقات جامعية، بل يتطلب توفير منظومة متكاملة تشمل التأطير البيداغوجي، السكن الجامعي، النقل، المختبرات، الرقمنة، والشراكات الاقتصادية القادرة على ربط التكوين بسوق الشغل.

ولهذا، فإن نجاح الخريطة الجامعية الجديدة سيظل رهيناً بمدى قدرة الحكومة على تعبئة التمويلات الضرورية، وضمان حكامة فعالة للمؤسسات الجديدة، بعيداً عن الحلول الترقيعية أو التوسعات الشكلية.

إصلاح التعليم العالي بين النص القانوني والواقع

وأكد ميداوي أن مشروع الخريطة الجامعية يستند إلى مقتضيات القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، إضافة إلى القوانين المنظمة للتعليم العالي، والتي تنص على وضع مخطط مديري استراتيجي للتعليم العالي.

ويهدف هذا المخطط، بحسب الوزير، إلى استباق التحولات المستقبلية وضمان عدالة مجالية في توزيع المؤسسات الجامعية، مع مراعاة الحاجيات الجهوية والوطنية والدولية.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعداد المخططات القانونية، بل في تحويلها إلى مشاريع ملموسة قادرة على تغيير واقع الجامعة المغربية، التي ما تزال تواجه إشكالات بنيوية مرتبطة بالجودة، والبحث العلمي، وربط التكوين بالتشغيل.

البعد الاجتماعي.. الحلقة الحاسمة

ومن بين النقاط التي شدد عليها وزير التعليم العالي، مواكبة مشروع الخريطة الجامعية بإصلاحات اجتماعية تهم الطلبة، خاصة في ما يتعلق بالسكن الجامعي، النقل، الإطعام، وآليات التمويل.

ويعتبر هذا الجانب من أكثر الملفات حساسية داخل الجامعة المغربية، خصوصاً في ظل تنامي معاناة الطلبة مع غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الدراسة والتنقل.

ويرى مراقبون أن أي إصلاح جامعي لن يحقق أهدافه دون معالجة حقيقية للبعد الاجتماعي، لأن أزمة التعليم العالي بالمغرب ليست فقط أزمة بنايات ومدرجات، بل أيضاً أزمة شروط عيش ودعم اجتماعي للطلبة.

نحو جيل جديد من الجامعات؟

في العمق، تعكس تصريحات ميداوي محاولة حكومية لإعطاء انطلاقة جديدة لورش إصلاح التعليم العالي، عبر الانتقال من منطق التدبير المركزي التقليدي إلى رؤية أكثر جهوية وربطاً بالتنمية المحلية.

كما تكشف هذه التوجهات عن وعي متزايد بأن الجامعة المغربية أصبحت مطالبة اليوم بلعب أدوار جديدة تتجاوز التكوين الأكاديمي التقليدي، لتتحول إلى رافعة للتنمية والابتكار والاستثمار وإنتاج الكفاءات القادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.

غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بسرعة تنزيل هذه المشاريع، ومدى قدرتها على تجاوز منطق الوعود إلى مرحلة الإنجاز الفعلي، خاصة وأن الشارع الجامعي المغربي بات أكثر حساسية تجاه أي تعهدات مرتبطة بالإصلاح.

وبين طموح بناء 49 مؤسسة جامعية جديدة، وتحديات التمويل والحكامة والاكتظاظ، تقف الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تنجح فعلاً في بناء جامعة مغربية حديثة وعادلة مجاليًا، أم أن الخريطة الجامعية ستتحول بدورها إلى مشروع آخر يصطدم بإكراهات الواقع؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى