“الفاخر” يشعل الأسواق قبل العيد.. أسعار الفحم تتجاوز 20 درهما والمغاربة يتساءلون: أين اختفى مخزون السنة الماضية؟

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، عادت مادة الفحم، أو ما يعرف عند المغاربة بـ”الفاخر”، لتتصدر واجهة النقاش داخل الأسواق الشعبية ومحلات البيع، بعدما شهدت أسعارها ارتفاعاً وصفه مواطنون ومهنيون بـ”غير المفهوم” و”غير المبرر”، في وقت يعتبر فيه الفحم من أبرز مستلزمات العيد وطقوسه التقليدية المرتبطة بشواء اللحوم وإعداد الوجبات المغربية التي ترافق هذه المناسبة الدينية.
وخلال الأيام الأخيرة، تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من الفحم في عدد من الأسواق عتبة 20 درهماً، بعدما كان لا يتجاوز في فترات سابقة ما بين 5 و7 دراهم، وهو ما أثار موجة استياء واسعة وسط الأسر المغربية التي وجدت نفسها أمام زيادات وصفت بـ”الصاروخية” في مادة أساسية مرتبطة بأجواء العيد.
ويرى متابعون أن ما يحدث اليوم يطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن الموسم الماضي لم يعرف إقامة شعيرة الذبح بشكل واسع، ما يعني أن كميات مهمة من الفحم التي كانت موجهة لتلك الفترة بقيت دون تصريف حقيقي داخل الأسواق.
ولهذا، يتساءل كثير من المواطنين عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع الكبير، في ظل تأكيد عدد من المهنيين والفاعلين في مجال حماية المستهلك أن السوق الوطنية تتوفر على مخزون مهم من الفحم للسنة الثانية على التوالي، وأن العرض موجود بشكل طبيعي، ما يجعل الحديث عن ندرة حقيقية أمراً غير دقيق.
وفي هذا السياق، اعتبر عدد من المتابعين أن رفع الأسعار بأكثر من 200 في المائة لا يمكن تفسيره فقط بمنطق العرض والطلب، بل يدخل بشكل واضح في دائرة المضاربة واستغلال الظرفية الموسمية لتحقيق أرباح سريعة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكدت هيئات مهتمة بحماية المستهلك أن الفحم لم يكن المادة الوحيدة التي شهدت زيادات ملحوظة مع اقتراب العيد، بل امتدت موجة الغلاء إلى عدد من المستلزمات الأخرى المرتبطة بالمناسبة، من قبيل الحبال والتوابل وبعض المواد التقليدية، غير أن “الفاخر” ظل الأكثر إثارة للانتباه بسبب الارتفاع القياسي الذي عرفه في ظرف وجيز.
ويعتبر الفحم عند المغاربة جزءاً من الثقافة المرتبطة بعيد الأضحى، حيث لا تكاد تخلو أي أسرة من اقتنائه لتحضير المشويات والأطباق التقليدية التي تميز أجواء العيد، وهو ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره ينعكس مباشرة على ميزانية الأسر، خصوصاً في ظل تزامن المناسبة مع مصاريف أخرى تتعلق بالملابس والتنقل والمواد الغذائية.
ويرى متابعون أن ما يزيد من حدة الغضب الشعبي هو أن الزيادات الحالية لا ترتبط بتحسن في جودة المنتوج أو بارتفاع حقيقي في تكاليف الإنتاج، بل تبدو مرتبطة أساساً بتعدد الوسطاء والمضاربة داخل قنوات التوزيع، إضافة إلى غياب المراقبة الصارمة لبعض الأسواق ونقاط البيع.
كما سجلت فعاليات جمعوية تفاوتات كبيرة في الأسعار بين منطقة وأخرى، حيث يباع المنتوج نفسه بأثمان مختلفة بشكل يثير التساؤلات حول طبيعة مراقبة السوق ومدى احترام قواعد المنافسة والشفافية.
وفي المقابل، يشدد عدد من المهنيين على أن بعض المضاربين يستغلون الإقبال الموسمي الكبير على الفحم من أجل تقليص الكميات المعروضة أو رفع هامش الربح بشكل مبالغ فيه، مستفيدين من الضغط الذي تعرفه الأسواق قبيل العيد.
ويرى مراقبون أن المشكل الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب نوع من التوازن الأخلاقي داخل السوق، خاصة في المناسبات الدينية التي يفترض أن تكون فرصة للتضامن والتيسير، لا موسماً للمضاربة وإثقال كاهل الأسر المغربية.
كما حذرت جمعيات حماية المستهلك من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الزيادات، معتبرة أن العديد من الأسر تجد نفسها بعد العيد أمام ضغوط مالية كبيرة وديون متراكمة بسبب موجة الغلاء التي تشمل مختلف المستلزمات الموسمية.
وفي ظل هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى تكثيف حملات المراقبة داخل الأسواق الرسمية والعشوائية، مع فرض إشهار الأسعار بشكل واضح، والتصدي لكل أشكال الاحتكار والمضاربة التي تستغل المناسبات الدينية لتحقيق أرباح غير مبررة.
وبين وفرة المخزون وارتفاع الأسعار، يبقى السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم بسيطاً لكنه عميق الدلالة: إذا كان الفحم متوفراً منذ السنة الماضية، فلماذا قفز سعره بهذا الشكل الجنوني؟ وهو سؤال يعيد مرة أخرى فتح النقاش حول أخلاقيات السوق، وحدود المضاربة، ودور أجهزة المراقبة في حماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي.






