مارشي سنطرال بفاس… حين يُهان التاريخ في قلب مدينة تُرمَّم بالواجهة

في قلب فاس الجديدة، و بشارع محمد الخامس الذي يعيش اليوم على إيقاع أوراش التأهيل والتجميل، يقبع السوق المركزي “مارشي سنطرال” في وضع مأساوي لا يليق بمدينة عريقة ولا بتاريخ يمتد لأكثر من قرن وربع القرن. معلمة تجارية وتاريخية تحوّلت، بصمت مريب، إلى شاهد حي على الإقصاء والتهميش وسوء ترتيب الأولويات.
هذا السوق، الذي شكّل لعقود طويلة رئة اقتصادية واجتماعية لفاس، لم يكن مجرد فضاء للبيع والشراء، بل كان مرآة حقيقية لتاريخ التعايش المغربي. هنا كان اليهود المغاربة والمسلمون يتقاسمون المكان والرزق واليومي، يتسوّقون جنباً إلى جنب بحثاً عن الأسماك الطرية، اللحوم المختارة، الخضر والفواكه الطازجة، والورود التي كانت جزءاً من طقوس الحياة الفاسية. كان “مارشي سنطرال” ملتقى الديانات والحضارات، وفضاءً للثقة والجودة والذاكرة الجماعية.
اليوم، لم يتبقَّ من ذلك سوى أطلال.
محلات موصدة، أخرى مفتوحة بلا روح ولا زبائن، ركود خانق، إهمال صارخ، وروائح كريهة تستقبل الزائر منذ أول خطوة داخل السوق. صورة قاتمة، مؤلمة، ومخجلة، تختصر الانحدار الذي بلغه هذا المعلم التاريخي.
الأكثر استفزازاً أن هذا المشهد البئيس يتجاور مع أوراش تأهيل واسعة تُقدَّم باعتبارها إنجازاً حضرياً. شارع محمد الخامس يُكسى بالرخام، الواجهات تُصبغ، المحيط يُلمَّع، لكن ما إن تصل إلى “مارشي سنطرال” حتى تسقط الأقنعة. هنا يتوقف منطق التأهيل، ويبدأ العبث، وكأن السوق خارج خريطة المدينة، أو عبء يجب تجاهله بدل إنقاذه.
إن استمرار هذا الوضع لا يُسيء فقط إلى السوق المركزي، بل يضرب في العمق صورة فاس الجديدة التي يُراد لها أن تكون مدينة الجذب الثقافي والسياحي والاستثماري. فكيف يُعقل أن تُرمَّم الواجهات، بينما يُترك التاريخ يتعفّن في الداخل؟ كيف يمكن تسويق مدينة عريقة، وفي قلبها معلمة تاريخية تنبعث منها روائح الإهمال؟
ولا يختلف حال “مارشي سنطرال” عمّا آل إليه سوق الأطلس، الذي تحوّل بدوره إلى نقطة سوداء وسط المدينة. سوقان تاريخيان، في مركز فاس، ينهاران معاً، في غياب رؤية شمولية تعتبر الأسواق التاريخية جزءاً من هوية المدينة لا عبئاً عمرانياً.
المسألة لم تعد تقنية ولا مالية، بل مسألة إرادة. فالسوق المركزي لا يحتاج إلى صباغة سطحية أو رتوش شكلية، بل إلى مشروع تأهيل حقيقي يحترم طابعه التاريخي، يعيد تنظيمه، ينقذه بيئياً، ويُرجع له وظيفته الاقتصادية والاجتماعية.
المسؤولية تقع أولاً على سلطات ولاية جهة فاس–مكناس، التي لا يمكنها الاستمرار في سياسة “التأهيل الانتقائي”، حيث تُجمَّل الشوارع وتُترك الذاكرة للنسيان. كما أن على التجار المتبقين بالسوق تحمّل مسؤوليتهم التاريخية، والانخراط الجاد في أي مسار إصلاحي، وتوحيد صوتهم للمطالبة بإنقاذ هذا الرمز قبل فوات الأوان.
إن “مارشي سنطرال” ليس سوقاً عادياً، بل شاهد على تاريخ فاس المتعدد، وعلى مرحلة جمعت المغاربة بمختلف دياناتهم وثقافاتهم في فضاء واحد. وتركه ينهار بهذا الشكل هو اعتداء صامت على ذاكرة المدينة، وعلى صورتها، وعلى صدقية كل حديث عن التنمية الحضرية.
فاس لا تحتاج إلى واجهات لامعة فقط، بل إلى شجاعة في إنقاذ تاريخها.
و“مارشي سنطرال” اليوم يصرخ… فهل من مجيب؟




