وفاة غامضة لمسؤول قضائي و250 مليون سنتيم وسيارة متوقفة على أسئلة كبرى.. ماذا يجري داخل ملف هزّ المحكمة الإدارية بفاس؟

تحول ملف وفاة وكيل الحسابات بالمحكمة الإدارية بفاس من واقعة مؤلمة داخل أسرة العدالة إلى قضية استثنائية تثير الكثير من التساؤلات، بعدما تزامنت الأبحاث القضائية الجارية حول ظروف الوفاة مع مباشرة لجنة مختصة عملية افتحاص واسعة للسجلات والوثائق والحسابات المالية المرتبطة بتدبير المؤسسة القضائية.
وبينما ما تزال نتائج التحقيقات الرسمية والتشريح الطبي منتظرة، يعيش محيط المحكمة الإدارية بفاس وقطاع العدل بالجهة على وقع حالة من الترقب غير المسبوقة، في انتظار كشف الحقيقة الكاملة بشأن واحدة من أكثر القضايا إثارة للانتباه خلال الأسابيع الأخيرة.
لجنة افتحاص تدخل على الخط
وحسب المعطيات المتداولة داخل الأوساط المهنية، فقد حلت لجنة مختصة، الخميس، بمقر المحكمة الإدارية بفاس، حيث باشرت عملية تدقيق ومراجعة عدد من السجلات والوثائق والحسابات المرتبطة بالتدبير المالي للمؤسسة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق الإجراءات الإدارية والرقابية المعمول بها عند وقوع أحداث استثنائية تمس مسؤولين يتولون مهام مرتبطة بالتدبير المالي أو المحاسباتي داخل المؤسسات العمومية، وذلك بهدف ضمان استمرارية المرفق العمومي والحفاظ على سلامة المعطيات والوثائق المالية.
ويرى متابعون أن عملية الافتحاص الجارية لا تعني بالضرورة وجود اختلالات أو تجاوزات، بقدر ما تندرج ضمن مساطر التدقيق والتتبع الإداري الرامية إلى الوقوف على مختلف المعطيات ذات الصلة بالملف.
العثور على جثة مسؤول قضائي يثير الصدمة
وتعود بداية القضية إلى العثور على المنتدب القضائي الممتاز، الذي كان يشغل مهمة وكيل الحسابات بالمحكمة الإدارية بفاس، جثة هامدة داخل شقته السكنية بإحدى الإقامات الراقية وسط المدينة.
وقد خلف الخبر حالة من الصدمة وسط زملائه وموظفي قطاع العدل، بالنظر إلى طبيعة المسؤولية التي كان يتولاها الراحل ومكانته المهنية داخل المؤسسة القضائية.
وفور إشعارها بالواقعة، انتقلت المصالح الأمنية المختصة إلى عين المكان، حيث باشرت إجراءات المعاينة التقنية والعلمية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في إطار بحث يروم تحديد الأسباب الحقيقية للوفاة واستجلاء جميع الظروف والملابسات المحيطة بها.
أموال محجوزة وأسئلة مفتوحة
غير أن الملف أخذ منحى أكثر تعقيداً بعد تداول معطيات تفيد بأن عمليات التفتيش المنجزة أسفرت عن العثور على مبلغ مالي مهم داخل سيارة الهالك، وهو ما دفع المحققين إلى توسيع دائرة البحث والتحري.
وإذا كانت الجهات الرسمية لم تصدر إلى حدود الساعة أي بلاغ تفصيلي بشأن طبيعة هذه الأموال أو مصدرها أو علاقتها المحتملة بالقضية، فإن وجود مبلغ مالي كبير ضمن المحجوزات جعل الملف ينتقل من مجرد واقعة وفاة غامضة إلى قضية متعددة الأبعاد تتداخل فيها الجوانب الجنائية والمالية والإدارية.
ويؤكد خبراء قانونيون أن مثل هذه الوقائع تستوجب التعامل معها بكثير من الحذر، لأن وجود أموال أو ممتلكات ضمن المحجوزات لا يشكل في حد ذاته دليلاً على أي شبهة، ما لم تسفر التحقيقات القضائية والمالية عن معطيات دقيقة وموثقة.
التشريح الطبي مفتاح الحقيقة
وتبقى نتائج التشريح الطبي المنجز بأمر من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس من بين أهم العناصر المنتظر أن تساعد على فك جزء كبير من لغز القضية.
ففي العديد من الملفات المشابهة، تشكل الخبرة الطبية الشرعية الأساس الذي تبنى عليه باقي الأبحاث، سواء تعلق الأمر بتحديد السبب المباشر للوفاة أو توقيتها أو الظروف التي رافقتها.
كما ينتظر أن تلعب الخبرات التقنية والعلمية المنجزة من طرف الشرطة القضائية دوراً محورياً في إعادة تركيب مختلف تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت وفاة المسؤول القضائي.
عندما تتحول قضايا الوفاة الغامضة إلى اختبار للمؤسسات
ولا يتعلق الأمر في مثل هذه القضايا فقط بكشف أسباب الوفاة، بل يمتد إلى اختبار فعالية المؤسسات الرقابية والقضائية في الوصول إلى الحقيقة الكاملة وتقديم الأجوبة التي ينتظرها الرأي العام.
فكلما تعلق الأمر بمسؤول يشغل منصباً حساساً داخل مؤسسة عمومية، تزداد الحاجة إلى تحقيقات دقيقة وشفافة قادرة على إزالة الغموض ومنع انتشار التأويلات والإشاعات.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن مباشرة عمليات الافتحاص المالي بالتوازي مع البحث القضائي يعكس حرص الجهات المختصة على التعامل مع مختلف أبعاد الملف، سواء ما يتعلق بالشق الإداري أو المالي أو الجنائي.
ترقب داخل أسرة العدالة
وفي انتظار صدور النتائج الرسمية، ما تزال الأوساط القضائية والإدارية بمدينة فاس تتابع تطورات القضية باهتمام كبير، وسط مطالب بضرورة كشف جميع الحقائق المرتبطة بهذا الملف الذي هز أسرة العدالة بالجهة.
ويبقى المؤكد إلى حدود اللحظة أن التحقيق القضائي لا يزال مفتوحاً، وأن أي استنتاجات نهائية بشأن أسباب الوفاة أو طبيعة الأموال المحجوزة أو علاقتها المحتملة بالقضية تظل رهينة بما ستكشف عنه الأبحاث الرسمية والخبرات التقنية والقضائية خلال الأيام المقبلة.
فبين وفاة غامضة، وافتحاص مالي، وأموال محجوزة، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الجارية التي وحدها تملك القدرة على الإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي ما تزال معلقة في هذا الملف الشائك.






