الإعفاءات الضريبية على الأراضي العارية تعيد الجدل حول الحكامة داخل الجماعات.. ملف ساخن يفجر أسئلة الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة

عاد ملف الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالأراضي غير المبنية، المعروفة اختصاراً بـ”TNB”، ليفتح من جديد نقاشاً واسعاً حول حكامة تدبير المالية المحلية داخل الجماعات الترابية، بعد تداول معطيات وتقارير تتحدث عن وجود اختلالات وشبهات مرتبطة بطريقة منح بعض الإعفاءات الجبائية، في ملفات توصف بالحساسة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بمداخيل الجماعات وبالقطاع العقاري الذي يشكل أحد أهم مصادر التمويل المحلي.
ويعتبر هذا الملف من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل داخل تدبير الشأن المحلي، لأنه يجمع بين ما هو جبائي وعقاري وتعميري وسياسي، كما يرتبط بتوازنات مالية دقيقة داخل الجماعات الترابية، خصوصاً في المدن والمناطق التي تعرف توسعاً عمرانياً وارتفاعاً كبيراً في قيمة العقار.
وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد النقاش حول الإعفاءات الضريبية مقتصراً على الجوانب التقنية أو القانونية فقط، بل تحول إلى مادة للصراع السياسي داخل عدد من المجالس المنتخبة، حيث سبق أن أثيرت هذه الملفات في جماعات ترابية مختلفة، ودخلت الأغلبية والمعارضة في تبادل الاتهامات بشأن طريقة تدبير بعض الإعفاءات والامتيازات الجبائية الممنوحة لفاعلين عقاريين أو ملاك أراض.
وفي بعض المجالس، تحولت جلسات التداول حول الجبايات المحلية إلى مواجهات سياسية حادة، تبادلت خلالها المعارضة والأغلبية الاتهامات بشأن وجود تساهل أو غياب للشفافية في معالجة ملفات ترتبط بالأراضي العارية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعقارات ذات قيمة مالية مرتفعة أو توجد داخل مناطق تشهد حركية استثمارية وعمرانية كبيرة.
ويأتي الجدل الجديد ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا النوع من الملفات، خصوصاً أن منح الإعفاءات الضريبية لا يفترض أن يكون قراراً انفرادياً أو إدارياً بسيطاً، بل يخضع، من الناحية القانونية، لمساطر تقنية وإدارية دقيقة تتداخل فيها عدة مؤسسات وهيئات مختصة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن بعض الملفات المثيرة للجدل عرفت غياباً للجان المختلطة المفروض قانوناً إشراكها في دراسة طلبات الإعفاء، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى احترام قواعد الحكامة والتدقيق الإداري داخل بعض الجماعات.
كما أن تغييب عدد من المتدخلين المؤسساتيين، سواء المصالح الجبائية أو التقنية أو التعميرية، يثير بدوره مخاوف مرتبطة بإمكانية اتخاذ قرارات ذات أثر مالي مباشر دون استكمال كافة الدراسات القانونية والتقنية الضرورية.
ويرى متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في وجود أو عدم وجود خروقات معزولة، بل في طبيعة المنظومة التي تحكم تدبير الجبايات المحلية داخل بعض الجماعات، والتي ما تزال تعاني، في عدد من الحالات، من تداخل الاختصاصات وضعف الرقابة الداخلية وغياب الرقمنة الكاملة للمساطر.
ويعتبر الرسم المفروض على الأراضي غير المبنية من أهم الموارد المالية التي تعتمد عليها الجماعات الترابية لتمويل مشاريع البنية التحتية والتأهيل الحضري والخدمات الأساسية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد الذاتية التي تعاني منها العديد من الجماعات.
ولهذا، فإن أي إعفاءات غير مبررة أو غير مؤسسة قانونياً قد تنعكس بشكل مباشر على مالية الجماعات، وتحرمها من مداخيل مهمة كان من الممكن توجيهها نحو الاستثمار المحلي أو تحسين الخدمات العمومية.
وفي المقابل، يؤكد عدد من الفاعلين في المجال العقاري أن بعض الإعفاءات تكون أحياناً مبررة بحكم طبيعة المشاريع أو الإكراهات التعميرية أو وجود مساطر إدارية معقدة، ما يجعل هذا الملف يحتاج إلى توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار وضمان حماية المال العام.
غير أن ما يزيد من حساسية هذا الملف هو ارتباطه المباشر بالوعاء العقاري، الذي ظل دائماً مجالاً خصباً للجدل السياسي والرقابي، بالنظر إلى حجم المصالح المالية الكبرى المرتبطة به، سواء بالنسبة للمنعشين العقاريين أو الجماعات أو حتى بعض شبكات النفوذ المحلي.
كما أن تكرار إثارة هذه الملفات داخل جماعات ترابية مختلفة يعكس وجود حاجة ملحة لإعادة النظر في طرق تدبير الجبايات المحلية، وتعزيز آليات الرقابة والتتبع، خاصة في ظل التوجيهات الرسمية المتواصلة المتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة وتخليق تدبير الشأن العام المحلي.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح ملف الحكامة داخل الجماعات الترابية يحظى باهتمام متزايد من طرف مؤسسات الرقابة الإدارية والمالية، سواء عبر المفتشيات العامة أو المجالس الجهوية للحسابات، التي باتت تركز بشكل أكبر على ملفات التدبير الجبائي والعقاري باعتبارها من المجالات الأكثر عرضة للاختلالات.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة قد تعرف تشديداً أكبر في مراقبة هذا النوع من الملفات، خصوصاً مع تزايد الرهانات المرتبطة بتحسين الحكامة المحلية وتعزيز موارد الجماعات في ظل الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها المملكة.
كما أن النقاش الدائر حالياً يكشف مرة أخرى أن إصلاح الجماعات الترابية لا يمكن أن يقتصر فقط على تغيير القوانين أو توسيع الاختصاصات، بل يحتاج أيضاً إلى ترسيخ ثقافة الشفافية والتدبير المؤسساتي وربط القرار الإداري بالرقابة والمحاسبة.
وبين من يعتبر أن إثارة هذه الملفات يدخل في إطار الرقابة المشروعة على تدبير المال العام، ومن يرى أن بعضها يتحول أحياناً إلى ورقة للصراع السياسي بين الأغلبية والمعارضة، يبقى المؤكد أن ملف الإعفاءات الضريبية على الأراضي العارية سيظل واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل تدبير الشأن المحلي، بالنظر إلى تقاطعه مع السياسة والمال والعقار والحكامة في آن واحد.






