شوكي يكسر الجمود السياسي: “الأحرار جاهز… ولا نحتاج دروساً في السياسة” ويطلق رسائل قوية قبل 2026

في سياق سياسي وطني يتسم بتسارع الاستعدادات غير المعلنة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خرج رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، في حوار تلفزيوني وُصف بأنه من أكثر الخرجات وضوحاً منذ توليه قيادة الحزب، ليضع خطوطاً سياسية عريضة تعكس توجه الحزب في المرحلة المقبلة، وتكشف عن ملامح مبكرة لمعركة 2026 التي بدأت تتشكل بصمت داخل المشهد الحزبي المغربي.
الحوار الذي بثته القناة الثانية في برنامج “ساعة الصراحة” لم يكن مجرد إجابات متفرقة، بل بدا وكأنه خطاب سياسي مُحكم، أعاد من خلاله شوكي صياغة موقع الحزب داخل المعادلة الوطنية، مقدماً نفسه كقيادة حزبية تتحرك بثبات داخل تنظيم يعتبره “جاهزاً بنيوياً وسياسياً” لخوض الاستحقاقات المقبلة دون ارتباك أو إعادة بناء.
شوكي يضع الإطار منذ البداية: السياسة ليست موسمية
من اللحظة الأولى للحوار، اختار شوكي أن يحدد الإطار العام للنقاش، حيث شدد على أن حزب التجمع الوطني للأحرار لا يشتغل بمنطق المناسبات الانتخابية، بل بمنطق الاستمرارية.
وقال في صياغة واضحة إن الحزب “يمارس السياسة بشكل يومي ومستمر”، وهي جملة بدت وكأنها حجر الأساس في كل ما سيأتي لاحقاً من مواقف، لأنها تعكس تصوراً يعتبر أن العمل السياسي لا ينفصل عن الواقع الاجتماعي، ولا يبدأ وينتهي مع صناديق الاقتراع.
هذا التأكيد لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن الحزب لا يرى نفسه مضطراً إلى الدخول في مرحلة “إعادة اكتشاف الذات”، كما تفعل بعض الأحزاب مع اقتراب الانتخابات، بل يعتبر أن تراكماته السابقة كافية لبناء برنامجه المقبل.
“لا نحتاج منصات جديدة”… تصريح يُعيد رسم حدود المنافسة
في واحدة من أكثر اللحظات إثارة داخل الحوار، توقف شوكي عند النقاش الدائر داخل الساحة السياسية حول إطلاق بعض الأحزاب لمبادرات تشاركية ومنصات لاستقبال مقترحات المواطنين من أجل إعداد برامجها الانتخابية.
هنا، جاء رده حاسماً، حين أوضح أن حزب الأحرار “لا يحتاج إلى فتح منصات جديدة لاستقبال أفكار المواطنين”، معتبراً أن الحزب ظل دائماً قريباً من المواطنين ومنفتحاً على انشغالاتهم بشكل مستمر.
هذا التصريح، رغم بساطته الظاهرة، يحمل في عمقه قراءة سياسية واضحة:
فهو لا ينتقد فقط طريقة اشتغال الخصوم، بل يعيد تعريف مفهوم “الاستماع السياسي” نفسه، بين من يعتبره لحظة انتخابية ظرفية، ومن يعتبره ممارسة يومية دائمة.
ويأتي هذا في سياق سياسي يشهد تحركات واضحة من طرف حزب العدالة والتنمية وعدد من الأحزاب الأخرى التي شرعت في إطلاق مبادرات تواصلية لإعادة بناء برامجها الانتخابية.
شوكي يتحدث كرئيس حزب لا كمسؤول تقني
ما يميز هذا الحوار ليس فقط مضمونه، بل الطريقة التي تحدث بها شوكي، حيث بدا واضحاً أنه يتحدث بلسان قيادة سياسية كاملة، وليس فقط كرئيس تنظيمي محدود الصلاحيات.
فهو يركز، يوضح، ثم يسترسل في بناء تصور شامل حول الحزب، وكأنه يقدم “خريطة طريق سياسية” غير مكتوبة، عنوانها أن التجمع الوطني للأحرار دخل فعلياً مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.
هذا الأسلوب يعكس انتقالاً تدريجياً من مرحلة التسيير الداخلي إلى مرحلة الخطاب السياسي الموجه للرأي العام، وهو تحول طبيعي في حياة الأحزاب التي تقترب من استحقاقات حاسمة.
أخنوش في الخلفية: الاعتراف بالإرث دون القطيعة معه
في جزء آخر من الحوار، عاد شوكي للحديث عن البنية التنظيمية للحزب وعلاقته بمرحلة قيادته السابقة، حيث توقف عند اسم رئيس الحكومة الحالي، عزيز أخنوش، مؤكداً أن الحديث عن تأثيره داخل الحزب ليس أمراً سلبياً.
بل ذهب شوكي إلى اعتبار أن أخنوش لعب دوراً محورياً في إعادة بناء التنظيم الحزبي، وتحديث بنياته، وترسيخ آليات الحكامة الداخلية، وهو ما جعل الحزب أكثر تماسكاً من الناحية التنظيمية.
هذا الموقف يعكس استراتيجية واضحة:
لا قطيعة مع الماضي، بل استثمار في الاستمرارية السياسية والتنظيمية، مع تقديم القيادة الحالية باعتبارها امتداداً طبيعياً وليس بديلاً صدامياً.
من الدفاع إلى المبادرة: خطاب الثقة في التجمع الوطني للأحرار
أحد أبرز عناصر هذا الحوار هو التحول في طبيعة الخطاب نفسه. فبدل أن يكون خطاباً دفاعياً يبرر موقع الحزب داخل الحكومة أو يرد على الانتقادات، ظهر خطاب قائم على الثقة السياسية المسبقة.
شوكي لم يتحدث بلغة التبرير، بل بلغة الجاهزية. لم يناقش “هل الحزب قوي؟”، بل تحدث وكأن القوة مسلمة، وانتقل مباشرة إلى الحديث عن كيفية تدبير المرحلة المقبلة.
هذا التحول مهم سياسياً، لأنه يعكس رغبة الحزب في فرض أجندته الخاصة داخل النقاش العام، بدل الاكتفاء بردود الفعل على خصومه.
السياق العام: سباق غير معلن نحو 2026
الساحة السياسية المغربية تعيش اليوم مرحلة “ما قبل المعركة”، حيث لم تنطلق الحملة الانتخابية رسمياً، لكن التحركات الحزبية توحي بأن السباق بدأ فعلياً.
الأحزاب تعيد ترتيب هياكلها، وتختبر خطابها، وتراقب المزاج العام، في انتظار لحظة الحسم.
وفي هذا السياق، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار اختار استراتيجية مختلفة:
بدلاً من الانتظار، يعلن جاهزيته مبكراً، ويحاول تثبيت صورة حزب “مستقر، منظم، ومتصالح مع حصيلته”.
ما بين الخطاب والواقع السياسي
لكن في المقابل، يدرك المتابعون أن الخطاب السياسي مهما بدا قوياً، سيظل محكوماً بميزان الواقع الانتخابي، حيث لا تُحسم المعارك بالتصريحات، بل بمدى قدرة الأحزاب على ترجمة خطابها إلى ثقة انتخابية داخل صناديق الاقتراع.
وهنا بالضبط يكمن التحدي الحقيقي أمام التجمع الوطني للأحرار:
كيف يحول خطاب الثقة والجاهزية إلى نتائج ملموسة في سياق سياسي تنافسي مفتوح على كل الاحتمالات.
شوكي يكتب بداية الرواية لا نهايتها
من خلال هذا الحوار، لا يبدو أن محمد شوكي كان يقدم مجرد مواقف ظرفية، بل كان يضع حجر الأساس لمرحلة سياسية جديدة داخل الحزب، عنوانها الثقة، الاستمرارية، والجاهزية المبكرة.
ومهما اختلفت القراءات السياسية، فإن ما خرج به المتابعون هو أن “الأحرار” لم يعد يتحدث عن المستقبل باعتباره احتمالاً، بل باعتباره ساحة اشتغال قائمة بالفعل.
وبين تصريحات واضحة ورسائل مبطنة، يبدو أن شوكي اختار أن يقول ما لم يُقل رسمياً بعد:
معركة 2026 بدأت… ومن يظن العكس فهو متأخر في قراءة المشهد.






