محاكمة “عمارتي الموت” تنطلق بفاس.. هل يكشف القضاء شبكة التراخيص المشبوهة ويطوي صفحة الإفلات من المحاسبة؟

بعد أشهر من التحقيقات الأمنية والقضائية المكثفة، يدخل واحد من أخطر الملفات التي هزت مدينة فاس منعطفا حاسما، بعدما حددت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس يوم 10 غشت الجاري موعدا لانطلاق أولى جلسات محاكمة 21 متهما في قضية انهيار عمارتين سكنيتين بحي المستقبل – المسيرة، وهي الفاجعة التي أودت بحياة 22 شخصا وخلفت 16 مصابا، في واحدة من أكبر الكوارث العمرانية التي عرفتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ولم تعد القضية مجرد حادث عرضي انتهى بانتهاء عمليات الإنقاذ، بل تحولت إلى ملف ثقيل يضع منظومة التعمير والمراقبة الإدارية بأكملها تحت مجهر العدالة، بعدما كشفت التحقيقات عن تشعب المسؤوليات وتعدد المتابعين، من منتخبين وموظفين وأعوان سلطة ومقاولين، في انتظار أن تقول المحكمة كلمتها بشأن المسؤوليات الجنائية لكل طرف.
وتشير المعطيات القضائية إلى أن الملف يضم 21 متهما، بينهم متابعون في حالة اعتقال وآخرون في حالة سراح، ومن أبرزهم رئيس مقاطعة زواغة إسماعيل الجاي، ونائبه الأول المكلف بالتعمير عبد الله الهادف، اللذان يواصلان متابعة أطوار القضية أمام القضاء بعد انتهاء التحقيق التفصيلي وإحالة الملف على غرفة الجنايات.
وكانت التحقيقات قد اتخذت منذ بدايتها منحى غير مسبوق، بعدما طالت مسؤولين ومنتخبين وأعوان سلطة، في مؤشر على أن البحث لم يقتصر على أسباب الانهيار، بل امتد إلى كيفية تشييد البنايتين، ومسار التراخيص، وأدوار مختلف المتدخلين في مراقبة البناء واحترام قوانين التعمير.
وفي سياق متصل، سبق للنيابة العامة أن اتخذت إجراءات احترازية شملت إغلاق الحدود في وجه عدد من رجال السلطة الذين تعاقبوا على تدبير المنطقة، إلى حين استكمال الأبحاث، وهو قرار عكس حجم الشبهات التي دفعت القضاء إلى توسيع دائرة البحث وعدم الاكتفاء بالمتابعين المحالين على المحكمة.
غير أن انطلاق المحاكمة يفتح اليوم أسئلة أكبر من مجرد تحديد المسؤوليات الفردية.
فهل ستكشف جلسات المحاكمة كيف تمكنت بنايات من الوصول إلى مراحل متقدمة قبل أن تتحول إلى ركام فوق رؤوس قاطنيها؟ وهل ستسلط الضوء على مسار منح الرخص، والمراقبة التقنية، وأدوار مختلف المتدخلين في قطاع التعمير؟ وهل سيقود ما سيعرض أمام المحكمة إلى فتح أبحاث جديدة إذا ظهرت معطيات أو مسؤوليات إضافية خلال المناقشات؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة، لأن فاجعة حي المسيرة لم تكن مجرد انهيار إسمنتي، بل شكلت صدمة للرأي العام، وأعادت إلى الواجهة ملف البناء غير القانوني، والتوسع العمراني، ومدى فعالية آليات المراقبة القبلية والبعدية داخل الجماعات الترابية.
كما ينتظر الرأي العام الفاسي أن تشكل هذه المحاكمة محطة لترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن الضحايا لم يكونوا مجرد أرقام، بل عائلات فقدت أبناءها وأحباءها في دقائق معدودة، بعدما تحولت منازلهم إلى أنقاض.
ويرى متابعون أن هذه القضية تمثل اختبارا حقيقيا لمنظومة الحكامة في مجال التعمير، لأن أي معالجة تقتصر على المسؤوليات المباشرة دون تفكيك الاختلالات البنيوية التي سمحت بوقوع الكارثة، قد لا تمنع تكرار مآس مماثلة مستقبلا.
ومع انطلاق أولى جلسات المحاكمة، تتجه الأنظار إلى ما ستكشفه المناقشات داخل قاعة المحكمة، وما إذا كانت ستظهر معطيات جديدة بشأن مساطر الترخيص والمراقبة، أو ستقود إلى مساءلات أخرى إذا برزت وقائع تستوجب ذلك، وهو أمر يبقى رهينا بما ستسفر عنه الإجراءات القضائية.
ويبقى الأمل معقودا على أن تنتهي هذه القضية بأحكام تعكس الحقيقة كاملة، وتضمن حقوق الضحايا، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن سلامة المواطنين ليست مجالا للتهاون، وأن أي إخلال بالقانون في قطاع التعمير يمكن أن يتحول إلى مأساة إنسانية، وهو ما يجعل من هذه المحاكمة أكثر من مجرد ملف جنائي، بل محطة مفصلية في مسار تعزيز الثقة في العدالة وترسيخ ثقافة المحاسبة.





