زيادات جديدة في أسعار المحروقات تشعل غضب المغاربة.. من يحمي المستهلك من سوق يثير الكثير من علامات الاستفهام؟

لم يكن المغاربة يتوقعون أن يستيقظوا على زيادة جديدة في أسعار المحروقات، بعدما قفز ثمن لتر الغازوال والبنزين بنحو درهم واحد دفعة واحدة، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول سوق المحروقات، الذي لا يزال يثير أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة متسارعة، رغم تراجع أسعار النفط في فترات سابقة واستقرارها النسبي في فترات أخرى.
وبمجرد دخول الزيادة الجديدة حيز التنفيذ، تجاوز سعر لتر الغازوال في عدد من محطات الوقود 14 درهما، بينما اقترب البنزين من 15.30 درهما، وسط تشابه لافت في الأسعار بين مختلف الشركات، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول مدى وجود منافسة حقيقية داخل سوق يفترض أنه محرر منذ سنوات.
وما زاد من حدة الجدل أن هذه الزيادة تعد الثانية في أقل من شهر، بعدما سبق أن عرفت الأسعار ارتفاعا خلال منتصف يوليوز، الأمر الذي جعل فئات واسعة من المواطنين تعتبر أن فاتورة التنقل والإنتاج والتوزيع أصبحت تثقل كاهل الأسر والمقاولات على حد سواء، في سياق اقتصادي يتسم باستمرار ارتفاع كلفة المعيشة.
ولم تتوقف علامات الاستفهام عند قيمة الزيادة فقط، بل امتدت إلى توقيتها، إذ جاءت هذه المراجعة خارج المواعيد التي اعتادت الشركات اعتمادها لتغيير الأسعار، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات على منصات التواصل الاجتماعي حول أسباب هذا التوقيت، والمعايير التي يتم على أساسها اتخاذ مثل هذه القرارات.
كما تداول مستعملون خلال الأيام التي سبقت الزيادة معطيات وصورا تحدثت عن اضطرابات في التزود بالمحروقات في بعض المحطات، مع اتهامات بوجود تأخير في تسويق بعض المخزونات في انتظار دخول الأسعار الجديدة حيز التطبيق. وهذه المعطيات ظلت متداولة على نطاق واسع، غير أنها تحتاج إلى تحقق من الجهات المختصة، ما يجعل من الضروري فتح تحقيقات عند الاقتضاء إذا توفرت مؤشرات على وجود ممارسات مخالفة لقواعد المنافسة أو حماية المستهلك.
ومن أكثر النقاط التي تستأثر باهتمام الرأي العام استمرار التشابه الكبير في الأسعار بين مختلف الشركات، إذ غالبا ما يتم الإعلان عن الزيادات في التوقيت نفسه وبفوارق لا تتجاوز سنتيمات معدودة، وهو ما يدفع الكثيرين إلى التساؤل حول مدى فعالية المنافسة في هذا القطاع، وحول الأسباب التي تجعل الأسعار تتحرك في الاتجاه نفسه لدى معظم الفاعلين.
وكان رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، قد أكد في تصريحات سابقة أن التزامن في تغيير الأسعار داخل سوق محررة يثير الانتباه، موضحا أن الأصل في اقتصاد السوق هو أن تحدد كل شركة أسعارها بشكل مستقل، وفق كلفة التزود والمخزون والاستراتيجية التجارية الخاصة بها، مع الإشارة إلى أن المجلس لا يحدد للشركات مواعيد مراجعة الأسعار، وإنما يراقب مدى احترام قواعد المنافسة.
لكن، وعلى الرغم من النقاش المتكرر حول هذا الموضوع، لا يزال المستهلك المغربي يجد نفسه أمام واقع واحد: كلما ارتفعت الأسعار ارتفعت بشكل شبه جماعي، وعندما تتراجع الأسعار في الأسواق الدولية، يكون الانخفاض داخل السوق الوطنية أقل سرعة وأقل حجما، وهو ما يغذي الشعور بوجود خلل في آليات انتقال الأسعار إلى المستهلك النهائي.
ولا يقتصر أثر هذه الزيادات على أصحاب السيارات فقط، بل يمتد إلى مختلف مناحي الحياة اليومية. فالمحروقات تشكل العمود الفقري لقطاع النقل، وأي زيادة فيها تنعكس تدريجيا على أسعار نقل البضائع والمواد الغذائية والخضر والفواكه ومواد البناء والخدمات، لتصبح الأسر المغربية أمام موجة جديدة من الضغوط المعيشية.
ويزداد هذا النقاش حدة في ظل استمرار مطالبة عدد من الفاعلين الاقتصاديين والمدنيين بتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، ونشر المعطيات المتعلقة بتكاليف الاستيراد والتكرير والتوزيع وهوامش الربح، حتى يتمكن الرأي العام من فهم الأسس التي تبنى عليها الزيادات والانخفاضات.
كما تتجدد الدعوات إلى تقوية آليات المراقبة وتفعيل أدوار المؤسسات المكلفة بحماية المنافسة وحماية المستهلك، بما يعزز الثقة في السوق ويضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين، ويمنع أي ممارسات قد تضر بالمنافسة أو بحقوق المستهلكين إذا ثبت وقوعها.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الذي يطرحه ملايين المغاربة: إلى متى ستظل أسعار المحروقات ترتفع بوتيرة متلاحقة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر يوما بعد آخر؟ وهل تنجح المؤسسات الرقابية في تبديد الشكوك المحيطة بهذا القطاع الاستراتيجي، أم أن سوق المحروقات سيظل أحد أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في المغرب؟






