سياسة

بين تدشين المشاريع وسباق الانتخابات.. حين يتحول المال العام إلى خلفية لصور انتخابية سابقة لأوانها

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، بدأت بعض المظاهر التي تثير الكثير من الجدل تعود إلى الواجهة في عدد من مناطق المملكة، بعدما أصبح حضور بعض المنتخبين والمرشحين المحتملين في تدشين المشاريع العمومية يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود الفصل بين العمل المؤسساتي والدعاية الانتخابية.

وتفيد معطيات متداولة بأن السلطات الترابية في عدد من الأقاليم والعمالات تنظر بكثير من التحفظ إلى تكرار ظهور شخصيات سياسية لا تتوفر على أي صفة رسمية أو مسؤولية تنفيذية تخول لها المشاركة في تدشين مشاريع عمومية، في وقت يفترض أن تبقى هذه المحطات مؤسساتية خالصة، مخصصة لتقديم المشاريع التنموية وشرح أهدافها وآثارها على المواطنين، وليس لتحويلها إلى منصات للتسويق السياسي.

وبحسب هذه المعطيات، فإن بعض المنتخبين والمرشحين المحتملين أصبحوا يحرصون على مرافقة الولاة والعمال في تدشين المشاريع، أو السعي إلى الظهور في الصفوف الأولى خلال الزيارات الرسمية، في محاولة لالتقاط الصور وتوثيق حضورهم في مناسبات تمول من المال العام، قبل أن تتحول تلك الصور لاحقاً إلى مادة دعائية يتم ترويجها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الحزبية وكأن المشروع ثمرة مجهود شخصي أو انتخابي.

وتزداد حساسية هذا السلوك عندما يتعلق الأمر بأوراش تنموية كبرى أطلقت في إطار برامج وطنية أو ملكية، أو بتمويل من الدولة والجماعات الترابية ومؤسساتها، إذ لا يجوز اختزالها في صورة منتخب أو مرشح يبحث عن رصيد انتخابي مجاني، بينما الحقيقة أن هذه المشاريع هي ثمرة سياسات عمومية ومجهودات مؤسسات الدولة ومختلف المتدخلين.

إن ما يثير الاستغراب ليس فقط حضور بعض الوجوه السياسية إلى هذه المناسبات، بل حالة التهافت التي أصبحت تطبع سلوك بعض المنتخبين، الذين يسابقون الزمن من أجل الوقوف إلى جانب الولاة والعمال في كل تدشين أو زيارة ميدانية، وكأن التقاط صورة إلى جانب مسؤول ترابي أصبح إنجازاً سياسياً، أو شهادة تمنح شرعية انتخابية أمام الرأي العام.

والأخطر أن هذا السلوك يبعث برسائل خاطئة للمواطن، إذ قد يوحي بأن المنتخب هو صاحب المشروع أو صاحب القرار في إنجازه، بينما الحقيقة أن تدشين المرافق العمومية يخضع لمساطر قانونية ومؤسساتية دقيقة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتوزيع الأدوار السياسية أو منح امتيازات دعائية لطرف دون آخر.

إن الإدارة الترابية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على حيادها الكامل، وعدم السماح بتحويل الأنشطة الرسمية إلى فضاءات للدعاية الانتخابية المقنعة، لأن حياد الدولة يشكل أحد أهم الضمانات الأساسية لنزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.

كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بدورها بتحمل مسؤوليتها الأخلاقية، والتمييز بين العمل السياسي المشروع وبين استغلال المناسبات الرسمية لتحقيق مكاسب انتخابية سابقة لأوانها، لأن المواطن أصبح أكثر وعياً، ويدرك جيداً الفرق بين من يشتغل ميدانياً لخدمة الساكنة، ومن يبحث فقط عن صورة عابرة أو ظهور بروتوكولي أمام عدسات الكاميرات.

لقد آن الأوان لوضع حد لثقافة “التقاط الصور” التي أصبحت تطغى على الممارسة السياسية في بعض المناطق، حيث ينشغل بعض المنتخبين بمرافقة الوفود الرسمية أكثر من انشغالهم بتتبع تنفيذ المشاريع، أو مراقبة جودتها، أو الدفاع عن انتظارات المواطنين داخل المؤسسات المنتخبة.

فالمسؤولية السياسية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بعدد مرات الوقوف بجانب الوالي أو العامل، وإنما تُقاس بحصيلة العمل، وجودة التشريع، ونجاعة الترافع، والقدرة على حل مشاكل المواطنين، وهي المعايير التي يجب أن تحكم تقييم المنتخبين.

وفي ظل اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو الحاجة ملحة إلى المزيد من اليقظة من طرف السلطات المختصة لضمان احترام الضوابط المؤطرة للمناسبات الرسمية، ومنع أي استغلال للمال العام أو للمشاريع العمومية في حملات انتخابية مبكرة، بما يصون هيبة مؤسسات الدولة، ويحافظ على مبدأ الحياد، ويكرس تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين.

فالمشاريع التنموية ليست ملكاً للأحزاب، ولا للمنتخبين، ولا للمرشحين، بل هي ملك للمغاربة جميعاً، وتمول من المال العام، ومن حق المواطنين أن يروا فيها عنواناً لخدمة الصالح العام، لا خلفية لصورة انتخابية أو وسيلة لبناء شعبية موسمية سرعان ما تنتهي بانتهاء الحملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى