قضايا

21 مليار سنتيم لم تُنقذ فاس من “تسونامي الأزبال”.. الروائح الكريهة وعصارة النفايات تحاصر العاصمة العلمية وسط صمت مجلس البقالي

في الوقت الذي كانت ساكنة فاس تنتظر أن تشكل صفقة تدبير قطاع النظافة، التي تناهز قيمتها 21 مليار سنتيم سنويا، نقطة تحول حقيقية في مشهد المدينة، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه مغاير تماما. فالعاصمة العلمية للمملكة تعيش، مع ذروة فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، على وقع أزمة بيئية وصحية متفاقمة، عنوانها الأبرز: أكوام النفايات، والروائح الكريهة، وعصارة “اللكسيفيا” التي تخلفها شاحنات جمع الأزبال في عدد من الشوارع والأحياء.

لم يعد الأمر مجرد ملاحظات معزولة أو شكاوى ظرفية، بل تحول إلى مشهد يومي يؤرق آلاف المواطنين، حيث تنتشر الحاويات الممتلئة بالنفايات في العديد من الأحياء، بينما تترك شاحنات جمع الأزبال خلفها خطوطا من السوائل السوداء المنبعثة منها روائح خانقة، لتتحول بعض الأزقة والمحاور الطرقية إلى بؤر بيئية تثير استياء الساكنة والزوار على حد سواء.

وتزداد حدة هذه الظاهرة خلال فصل الصيف، حيث تتسبب الحرارة المرتفعة في تسريع تحلل النفايات، فتنبعث روائح كريهة تخيم على محيط الأسواق والأحياء السكنية والشوارع الرئيسية، في صورة لا تليق بمدينة تعد من أعرق الحواضر المغربية، وتستعد لرهانات وطنية ودولية كبرى.

وتطرح هذه الوضعية أكثر من علامة استفهام حول مدى نجاعة المنظومة الجديدة لتدبير قطاع النظافة، ومدى احترام دفاتر التحملات، خاصة ما يتعلق بتنظيف الحاويات، وغسل الشوارع بعد مرور شاحنات جمع النفايات، وصيانة الآليات المستعملة لمنع تسرب عصارة النفايات، التي تشكل خطرا بيئيا وصحيا بسبب احتوائها على مواد عضوية وملوثات قد تؤثر على جودة المحيط الحضري.

فالحديث عن صفقة بمليارات السنتيمات يرفع من سقف انتظارات المواطنين، الذين يتساءلون اليوم: أين انعكاس هذه الاعتمادات المالية على الواقع؟ وكيف يمكن تفسير استمرار المشاهد نفسها التي كانت موضوع انتقادات منذ سنوات، رغم تغيير الشركات وإطلاق وعود بتحسين الخدمات؟

ولا تقف الأزمة عند حدود الجانب البيئي، بل تمتد إلى صورة المدينة نفسها. ففاس، التي يفترض أن تقدم نفسها كوجهة سياحية وثقافية واستثمارية، تجد نفسها أمام مشهد لا ينسجم مع مكانتها التاريخية، حيث تستقبل بعض مداخلها وزوارها بروائح النفايات وأكوام الأزبال بدل صورة المدينة العريقة التي طالما تغنى بها المغاربة.

وتتزايد شكاوى السكان من أن عددا من الحاويات يظل ممتلئا لساعات طويلة، بل لأيام في بعض النقاط، فيما تتسرب العصارة من الشاحنات أثناء جولاتها، تاركة آثارا وروائح تبقى لساعات، بل تمتد أحيانا إلى اليوم الموالي، خصوصا في ظل غياب عمليات غسل منتظمة للشوارع.

وفي المقابل، يزداد الغموض حول دور مجلس جماعة فاس في تتبع تنفيذ عقد التدبير المفوض، ومراقبة جودة الخدمات المقدمة. فالمجلس، باعتباره الجهة المفوضة، لا تقتصر مسؤوليته على توقيع العقود، بل تمتد إلى مراقبة مدى احترام الشركات لالتزاماتها واتخاذ الإجراءات اللازمة عند تسجيل أي اختلالات.

كما يوجه جزء كبير من الرأي العام المحلي أصابع النقد إلى عمدة المدينة عبد السلام البقالي، الذي يجد نفسه أمام ملف أصبح من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للساكنة، في ظل تكرار الانتقادات المرتبطة بتدبير النظافة، واستمرار المظاهر التي يعتبرها المواطنون غير منسجمة مع حجم الاعتمادات المالية المرصودة لهذا القطاع.

ولم تعد مطالب الفاسيين تقتصر على رفع النفايات فقط، بل أصبحت تشمل مراجعة شاملة لمنظومة النظافة، وتشديد المراقبة على الشركات المفوض لها التدبير، واعتماد آليات أكثر صرامة لمنع تسرب عصارة النفايات، مع غسل وتعقيم الحاويات بشكل دوري، واحترام توقيت جمع الأزبال، حفاظا على الصحة العامة والبيئة.

إن ما تعيشه فاس اليوم وهي تحمل علامة “مدينة متسخة” لا يتعلق بمجرد اختلالات تقنية عابرة، بل يلامس أحد أبسط حقوق المواطن، وهو الحق في بيئة سليمة ومدينة نظيفة. فالنظافة ليست خدمة ثانوية، بل عنوان للحكامة المحلية، ومؤشر على جودة التدبير، ومرآة تعكس مدى احترام المؤسسات لانتظارات المواطنين.

ويبقى السؤال الذي يردده كثير من سكان العاصمة العلمية بإلحاح: كيف يمكن لمدينة رصدت مليارات السنتيمات لتدبير قطاع النظافة أن تظل، في عز الصيف، غارقة في الأزبال، ومحاصرة بروائح كريهة وعصارة نفايات تجوب شوارعها يوميا؟ وهل يتحرك مجلس جماعة فاس لإعادة تقييم أداء الشركات وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، أم أن هذا الملف سيظل يؤجل من دورة إلى أخرى، بينما تتسع دائرة الاستياء في صفوف الساكنة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى