قضايا

قنبلة تهز الدخول المدرسي بفاس.. توقيف مفتش للتعليم وإحالته على وكيل الملك في قضية تحرش وشذوذ مزعوم بأستاذ

في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات التعليمية بمدينة فاس تنشغل بانطلاق موسم دراسي جديد وما يرافقه من ملفات الاكتظاظ والموارد البشرية وظروف العمل، تفجرت قضية قضائية غير مسبوقة داخل محيط قطاع التربية الوطنية، بعدما جرى توقيف مفتش للتعليم الثانوي يعمل بالمديرية الإقليمية بفاس، على خلفية شكاية تتعلق بادعاءات التحرش الجنسي بأستاذ لمادة الاجتماعيات.

وحسب المعطيات التي أوردتها مصادر إعلامية، فإن مصالح الشرطة بفاس باشرت أبحاثاً في هذه القضية، قبل أن يتم وضع المفتش رهن تدبير الحراسة النظرية، في انتظار تقديمه أمام وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بفاس صباح الجمعة 18 شتنبر 2026، لاتخاذ القرار القانوني المناسب على ضوء نتائج البحث.

وتفيد المعطيات المتداولة بأن القضية انطلقت من رسائل عبر تطبيق للتراسل الفوري، قال الأستاذ المشتكي إنه توصل بها من المفتش، وتضمنت، وفق روايته، طلبات ذات طبيعة جنسية ومحاولات لدفعه إلى إقامة علاقة جنسية دون رضاه.

وتقول المصادر نفسها إن عناصر الشرطة لم تكتف بالاستماع إلى المشتكي، بل باشرت أبحاثاً وتحريات تقنية ومواجهات واستقراءات مرتبطة بالرسائل والمعطيات المتوفرة في الملف، في محاولة لتحديد طبيعة التواصل بين الطرفين والوقوف على حقيقة الوقائع المنسوبة إلى المفتش.

وفي المقابل، وخلال البحث، أقر المشتبه فيه، وفق المعطيات المنشورة، بكون الرسائل صادرة عنه، لكنه دفع بأنه لم يكن يعلم هوية الشخص الذي كان يتواصل معه، وهي نقطة يفترض أن تكون من بين العناصر التي ستخضع للتقييم والتحقق خلال المسطرة القضائية.

وبذلك انتقلت القضية من مجرد خلاف أو تواصل مهني داخل قطاع التعليم إلى ملف قضائي تتولاه النيابة العامة، التي ستقرر بعد إحالة المشتبه فيه عليها ما إذا كانت الأفعال المشتبه فيها تستوجب المتابعة القضائية، وفي أي إطار قانوني، أو اتخاذ قرار آخر وفق ما ستسفر عنه الأبحاث.

وتكتسي القضية حساسية خاصة لأنها تتعلق بمفتش للتعليم، أي بموظف يوجد في موقع يرتبط بالتأطير والمواكبة والتقييم داخل المنظومة التعليمية، وهو ما يجعل أي ادعاءات بشأن استغلال موقع مهني أو ممارسة ضغوط على أحد العاملين في القطاع موضوعاً بالغ الحساسية، خصوصاً عندما تصل القضية إلى القضاء.

لكن، وفي انتظار ما ستقرره النيابة العامة والمحكمة، يبقى من الضروري قانونياً ومهنياً استعمال عبارة “المشتبه فيه” و”المشتكي” وعدم تحويل الاتهامات الواردة في مرحلة البحث إلى إدانة مسبقة، لأن المسؤولية الجنائية لا تثبت إلا بحكم قضائي نهائي.

وتأتي هذه القضية في ظرف يعرف فيه قطاع التربية والتكوين بجهة فاس مكناس نقاشاً واسعاً حول ظروف العمل والحكامة المهنية وعلاقة مختلف الفئات داخل المنظومة التعليمية. ففي شتنبر الجاري، شهد محيط الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة فاس مكناس وقفة احتجاجية للمتصرفين التربويين، في سياق مطالب مهنية مرتبطة بتنفيذ الاتفاقات القطاعية.

كما سبق أن عرف القطاع بمدينة فاس ملفات قضائية وتأديبية أخرى، من بينها قضية أستاذ بالتعليم الثانوي التأهيلي ألغت المحكمة الإدارية بفاس قراراً تأديبياً في حقه، بعد أن كان قد أوقف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر مع الحرمان من الأجرة على خلفية اتهامات مهنية، وهو ما يؤكد أن قطاع التعليم بالمدينة شهد خلال الفترة الأخيرة ملفات تجاوزت حدود النقاش الإداري ووصل بعضها إلى القضاء.

غير أن قضية المفتش الحالية تختلف في طبيعتها، لأنها ترتبط بادعاءات ذات طابع جنسي بين موظفين بالغين، وتحتاج بالتالي إلى تدقيق قضائي في محتوى الرسائل وظروف إرسالها وهوية أطراف التواصل ومدى توافر العناصر القانونية التي يمكن أن تؤسس لأي متابعة.

كما أن هذه القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للتشهير أو إصدار أحكام مسبقة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من المعطيات المتداولة مصدره أطراف أو مصادر إعلامية، بينما تظل الكلمة الفصل للنيابة العامة ثم للقضاء.

وما يجعل الملف يحظى باهتمام واسع في فاس هو توقيته أيضاً. فالقضية تظهر في بداية موسم دراسي جديد، وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى المديرية الإقليمية والأكاديمية الجهوية لمواكبة الدخول المدرسي وتدبير الموارد البشرية وضمان السير العادي للمؤسسات التعليمية.

وبالنسبة إلى الجسم التعليمي، فإن الملف يطرح سؤالاً أكبر حول ضرورة حماية العلاقات المهنية داخل المؤسسات والإدارات التعليمية من أي تجاوزات، أياً كان مصدرها أو موقع أصحابها، وضمان وجود قنوات واضحة وآمنة للتبليغ عن أي سلوك غير مهني، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف.

أما بالنسبة إلى المفتش الموقوف، فإن تقديمه أمام وكيل الملك سيكون محطة أساسية في تحديد المسار القضائي للملف، بعدما انتقلت القضية من مرحلة البحث الأمني إلى مرحلة تدخل النيابة العامة، التي ستطلع على المحاضر والمعطيات التقنية وتصريحات الأطراف قبل اتخاذ القرار الذي تراه مناسباً وفق القانون.

وبينما ينتظر الرأي العام الفاسي ما ستكشف عنه المسطرة القضائية، فإن القضية تحولت بالفعل إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية التي تضرب محيط قطاع التربية مع بداية الموسم الدراسي، ليس بسبب طبيعة الاتهامات فقط، وإنما أيضاً بسبب الموقع الوظيفي للشخص الموقوف، وما تفرضه هذه الصفة من مسؤولية مهنية وأخلاقية أكبر.

وفي انتظار القرار القضائي، تبقى كل الوقائع المنسوبة إلى المفتش محل بحث وتحقيق، ولا يمكن اعتبارها ثابتة إلا بما ستقرره الجهات القضائية المختصة، بينما يظل المبدأ الأساسي هو أن أي تجاوز مهني أو سلوك غير قانوني، إن ثبت، يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون، بعيداً عن التشهير أو الأحكام المسبقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى