الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس تقود معركة الأمن المائي ببولمان.. مشروع استراتيجي بـ251 مليون درهم يضع الإقليم على أعتاب إنهاء أزمة الانقطاعات ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار التنموي

لم تعد أزمة الماء بإقليم بولمان مجرد إشكال موسمي مرتبط بتراجع التساقطات أو انخفاض منسوب الفرشات المائية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات التنموية التي فرضت نفسها على مختلف الفاعلين المؤسساتيين، في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الماء الصالح للشرب واتساع رقعة التجمعات السكانية. غير أن هذا الواقع بدأ يعرف تحولاً نوعياً تزامنا مع إحتفالات عيد العرش المجيد و مع تسارع إنجاز أحد أكبر المشاريع المائية المهيكلة بجهة فاس – مكناس، وهو المشروع الاستراتيجي لتزويد مدينتي ميسور وأوطاط الحاج وعدد من الجماعات المجاورة بالماء الصالح للشرب انطلاقاً من سد الحسن الثاني، في ورش ضخم يناهز غلافه المالي 251 مليون درهم.
ويبرز في قلب هذا الورش الحيوي الدور المحوري الذي تضطلع به الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس، التي أصبحت أحد أهم الفاعلين الجدد في تدبير خدمات الماء على مستوى الجهة، حيث تواكب مختلف مراحل تنفيذ المشاريع الكبرى الهادفة إلى تأمين التزود بالماء الصالح للشرب، وذلك في تنسيق متواصل مع السلطات الإقليمية والمصالح التقنية والقطاعات الحكومية المعنية، بما يضمن تسريع وتيرة الإنجاز وتحقيق النجاعة في التنفيذ.
ويأتي هذا المشروع في سياق الاستراتيجية الوطنية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من الأمن المائي أولوية وطنية في مواجهة التغيرات المناخية والإجهاد المائي، بعدما أصبحت المملكة تواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد التقليدية للمياه. ومن هذا المنطلق، لم يعد الاستثمار في البنيات التحتية المائية خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الاجتماعي والاقتصادي للأقاليم.
ويحظى هذا الورش بمتابعة ميدانية مستمرة من طرف عامل إقليم بولمان علال الباز، الذي جعل من ملف الماء إحدى أولويات عمله، من خلال تتبع تقدم الأشغال، وعقد اجتماعات التنسيق مع مختلف المتدخلين، والعمل على تجاوز العراقيل الإدارية والتقنية التي قد تؤثر على آجال الإنجاز، وهو ما يعكس حرص السلطات الإقليمية على إخراج المشروع إلى حيز الخدمة في أقرب الآجال، خاصة بعد سنوات عانت فيها عدة مناطق من اضطرابات متكررة في التزود بالماء.
وتبرز أهمية هذا التنسيق أيضاً في العمل المشترك بين عمالة الإقليم والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس، التي تضطلع بدور أساسي في تنزيل المشاريع المرتبطة بخدمات الماء، وتوفير الحلول التقنية الكفيلة بضمان استدامة التزويد، بما ينسجم مع التحول الذي تعرفه منظومة تدبير هذا القطاع الحيوي على الصعيد الوطني.
ومن الناحية التقنية، يعد المشروع من أكبر الأوراش المائية التي يشهدها الإقليم، إذ يعتمد على نقل المياه انطلاقاً من سد الحسن الثاني عبر منظومة متكاملة تضم أربع قنوات رئيسية لنقل المياه، بكلفة تناهز 234 مليون درهم، إلى جانب إنجاز محطات للضخ، وخزانات للتجميع والتخزين، ومحطة للكلورة، ومنشآت للهندسة المدنية، وتجهيزات كهروميكانيكية، وربط كهربائي، فضلاً عن مختلف التجهيزات التقنية التي تضمن استغلالاً فعالاً وآمناً لهذه البنية التحتية.
وسيستفيد من هذا المشروع ما يقارب 130 ألف نسمة، موزعين على مدينتي ميسور وأوطاط الحاج، إضافة إلى جماعات قصابي ملوية، ويزغت، وسيدي بوطيب، والرميلة، والعرجان، وتيساف، وأفريطيسة، وأولاد علي يوسف، وهو ما يجعل منه مشروعاً ذا بعد اجتماعي وتنموي يتجاوز مجرد تحسين خدمة الماء، ليصبح رافعة حقيقية لتحسين ظروف العيش ودعم الاستقرار بالمناطق المستفيدة.
وتؤكد المعطيات التقنية أن المشروع يهدف إلى تقليص الاعتماد على الموارد الجوفية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، والانتقال إلى مصدر مائي أكثر استدامة، وهو سد الحسن الثاني، بما يسمح بضمان استمرارية التزود بالماء حتى في فترات الذروة ومواسم الجفاف، ويحد من اللجوء إلى إجراءات التقنين والانقطاعات التي أثرت سابقاً على عدد من المناطق.
ولا يمكن الحديث عن هذا الورش دون الإشارة إلى أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس أصبحت اليوم أمام اختبار حقيقي في تدبير مرحلة الانتقال نحو نموذج جديد في إدارة خدمات الماء، قائم على الاستثمار، والنجاعة، والتدخل السريع، والتخطيط الاستباقي، وهو ما يفرض مواصلة تعبئة الإمكانيات البشرية والتقنية لضمان نجاح هذا التحول، خاصة في جهة تواجه ضغوطاً مائية متزايدة.
كما أن التنسيق المستمر بين الشركة والسلطات الإقليمية بقيادة العامل علال الباز أسهم في تسريع المساطر التقنية والإدارية، وتوفير الظروف الملائمة لاستمرار الأشغال وفق الجدولة المحددة، وهو ما يعزز الآمال في دخول المشروع حيز الخدمة ضمن الآجال المعلنة، بما يخفف تدريجياً من حدة الإكراهات التي عاشتها الساكنة خلال السنوات الماضية.
ولا يقتصر أثر المشروع على الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ إن توفير الماء بشكل مستقر يشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار، ودعم الأنشطة الفلاحية والخدماتية، وتحسين جاذبية الإقليم، فضلاً عن تعزيز ثقة المواطنين في المرافق العمومية. كما أن استقرار التزود بالماء ينعكس مباشرة على المؤسسات التعليمية والصحية والإدارية، ويحد من الأعباء التي تتحملها الأسر بسبب الانقطاعات أو البحث عن مصادر بديلة.
ويأتي هذا المشروع ضمن برنامج وطني لتأمين الماء الصالح للشرب، ممول بشراكة مع البنك الإفريقي للتنمية، في إطار رؤية تروم تقوية البنية التحتية المائية، وتحسين مردودية الشبكات، وتأمين الموارد على المدى المتوسط والبعيد، بما يتلاءم مع التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المملكة إطلاق مشاريع السدود، وربط الأحواض المائية، وإنجاز محطات تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، يشكل مشروع بولمان حلقة أساسية ضمن منظومة وطنية متكاملة هدفها حماية الأمن المائي للمغاربة، وترجمة التوجيهات الملكية إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
ومع التقدم المتواصل في الأشغال، تبدو مؤشرات الانفراج أكثر وضوحاً بالنسبة لساكنة الإقليم، التي تتطلع إلى طي صفحة الانقطاعات المتكررة والانتقال إلى مرحلة عنوانها الاستقرار في التزود بالماء الصالح للشرب. وإذا كانت أزمة الماء قد فرضت خلال السنوات الماضية تحديات قاسية على المواطنين، فإن هذا الورش الاستراتيجي، بقيادة ميدانية للسلطات الإقليمية، وتنسيق متواصل مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس – مكناس، يمثل اليوم أحد أهم مشاريع الأمل، ليس فقط لأنه سينقل المياه إلى عشرات الآلاف من السكان، بل لأنه يؤسس لنموذج جديد في تدبير الموارد المائية يقوم على التخطيط، والاستباق، والاستثمار، والالتقائية بين مختلف المؤسسات، بما يجعل الأمن المائي ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار بإقليم بولمان وجهة فاس – مكناس ككل.






