رسوم جامعية تشعل غضب الطلبة الموظفين.. مطالب بإلغاء “تكاليف باهظة” والبرلمان يدخل على الخط

تتوسع دائرة الجدل حول الرسوم التي شرعت بعض الجامعات المغربية في فرضها على الطلبة الموظفين والأجراء، بعد أن وصلت في بعض التكوينات إلى 20 ألف درهم سنوياً، وهو ما أثار موجة استياء واسعة في الأوساط الجامعية، وسط اتهامات بأن هذه المبالغ تهدد مبدأ تكافؤ الفرص وتحول مواصلة الدراسة إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية أكثر من الكفاءة العلمية.
ويرى متضررون أن هذه الرسوم تشكل عبئاً ثقيلاً على فئة اختارت الجمع بين العمل والدراسة لتطوير مسارها المهني، معتبرين أن المبالغ المطلوبة تتجاوز قدرة عدد كبير من الموظفين والأجراء، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وفي مواجهة هذا الوضع، أعلن الطلبة المتضررون تأسيس تنسيقية وطنية للدفاع عن حقوقهم، داعين إلى وقف العمل بهذه الرسوم ومراجعة القرارات التنظيمية التي اعتمدتها بعض الجامعات تحت مسميات من قبيل “التوقيت الميسر” أو “التكوين المستمر”، معتبرين أن هذه الصيغ لا تبرر تحميل الطلبة أعباء مالية إضافية دون سند قانوني واضح.
وأكدت التنسيقية، في رسالة مفتوحة وجهتها إلى النقابات والهيئات الحقوقية والمدنية، أن الحق في التعليم يجب أن يبقى مكفولاً لجميع المواطنين دون تمييز، مطالبة بفتح نقاش وطني حول مستقبل التكوينات الجامعية الموجهة للموظفين والأجراء، وضمان عدم تحولها إلى تعليم موازٍ مرتفع الكلفة.
واستندت التنسيقية في موقفها إلى اعتبارات قانونية ودستورية، مشيرة إلى وجود أحكام قضائية سبق أن اعتبرت إحداث رسوم جامعية من اختصاص السلطة التشريعية، وليس المجالس الجامعية، وهو ما يطرح، بحسبها، تساؤلات حول مدى قانونية فرض هذه الأداءات المالية في غياب نص تشريعي صريح.
وترى التنسيقية أن فرض رسوم خاصة على الطلبة الأجراء يمثل شكلاً من أشكال التمييز، لأنه يجعل الوضعية المهنية سبباً لتحمل تكاليف إضافية، في حين يفترض أن يكون الولوج إلى التكوينات الجامعية مبنياً على الاستحقاق العلمي وتكافؤ الفرص، كما ينص على ذلك الدستور.
كما يشير المتضررون إلى أنهم يؤدون بالفعل الضرائب والاقتطاعات الإجبارية من أجورهم، والتي تساهم في تمويل الخدمات العمومية، بما فيها مؤسسات التعليم العالي، معتبرين أن مطالبتهم بأداء رسوم مرتفعة مقابل متابعة الدراسة يكرس ما وصفوه بـ”الازدواجية في الأداء”، حيث يدفع الموظف مرة عبر الضرائب، ومرة ثانية عبر الرسوم الجامعية.
ويزداد العبء المالي، بحسب التنسيقية، بالنسبة لطلبة الدكتوراه، إذ قد تصل الكلفة الإجمالية للتسجيل خلال سنوات البحث إلى نحو 80 ألف درهم، دون احتساب مصاريف البحث العلمي، والتنقل، والمراجع، والنشر العلمي، وهو ما قد يدفع عدداً من الباحثين إلى التخلي عن مشاريعهم الأكاديمية بسبب العجز عن تحمل هذه النفقات.
وفي السياق نفسه، انتقل الملف إلى المؤسسة التشريعية، بعدما وجهت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، سؤالاً كتابياً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، طالبت فيه بتوضيح الأساس القانوني الذي تعتمد عليه بعض الجامعات لفرض هذه الرسوم، ومدى انسجامها مع المقتضيات الدستورية التي تكفل الحق في التعليم وتضمن المساواة بين المواطنين.
وأشارت البرلمانية إلى أن الرسوم المفروضة على بعض المسالك، ومنها الدكتوراه والماستر، تمثل عبئاً مالياً كبيراً قد يحرم فئات واسعة من مواصلة الدراسة، ويجعل الولوج إلى التعليم العالي رهيناً بالإمكانات المادية، لا بالمؤهلات العلمية.
كما أثارت البرلمانية جدلاً آخر يتعلق بقيام بعض الجامعات، وفق ما تم تداوله، بمطالبة طلبة سبق تسجيلهم قبل دخول الإطار التنظيمي الجديد حيز التنفيذ بأداء الرسوم، أو الإدلاء بوثائق تثبت عدم مزاولتهم لأي نشاط مهني، وهو ما يثير نقاشاً قانونياً حول مدى احترام مبدأ عدم رجعية القوانين والإجراءات الإدارية.
ولم تقف الانتقادات عند الجانب المالي فقط، بل امتدت إلى طريقة تنظيم الدراسة، حيث أكد عدد من الطلبة الموظفين أن التكوينات التي تقدم على أساس أنها مخصصة للأجراء لا تراعي في كثير من الأحيان خصوصية هذه الفئة، إذ تبرمج المحاضرات والأشغال التطبيقية والامتحانات خلال ساعات العمل الرسمية، ما يجعل التوفيق بين الالتزامات المهنية والدراسة أمراً بالغ الصعوبة.
ويعتبر المتضررون أن فلسفة “التوقيت الميسر” تفقد معناها عندما يضطر الطالب العامل إلى التغيب عن مقر عمله لحضور الدروس أو اجتياز الامتحانات، رغم أدائه رسوماً مرتفعة كان يفترض أن تضمن له تنظيماً يتلاءم مع وضعيته المهنية.
وطالبت النائبة البرلمانية وزارة التعليم العالي بالتدخل العاجل لمراجعة هذه الرسوم، ووضع إطار قانوني واضح ينظمها، مع ضمان عدم إقصاء أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل من متابعة دراساتهم العليا، كما دعت إلى توضيح موقف الوزارة من تطبيق هذه الرسوم على طلبة سجلوا قبل دخول المقتضيات الجديدة حيز التنفيذ، بما يحترم المبادئ الدستورية ويصون حق الجميع في الولوج إلى التعليم العالي دون تمييز.





