اقتصاد

فاس نحو 2030: إعادة هندسة المشهد اللوجستيكي وسط تحديات التراجع عن الأنفاق وسباق الزمن المونديالي

تدخل مدينة فاس، الحاضرة الإدريسية ذات العمق التاريخي والحضاري، مرحلة مفصلية في أفق الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، حيث لم يعد الرهان مقتصراً على تأهيل الملاعب والمنشآت الرياضية، بل بات مرتبطاً بشكل مباشر بإعادة بناء منظومة لوجستيكية متكاملة قادرة على ضمان انسيابية التنقل داخل المدينة ومحيطها الجهوي.

وفي قلب هذا الورش الكبير، يطفو إلى السطح ملف النقل والبنية التحتية كأحد أكثر التحديات تعقيداً، خاصة في ظل التحولات الأخيرة المرتبطة بإعادة النظر في عدد من مشاريع الأنفاق التحت أرضية، مقابل تسريع تنزيل بدائل نقل حديثة ومتكاملة.

التراجع عن مشاريع الأنفاق… إعادة طرح سؤال السيولة المرورية

كان يُعوّل على مشاريع الأنفاق التحت أرضية (Trémies) كحلول تقنية أساسية لتفكيك النقاط السوداء المرورية داخل مدينة فاس، خصوصاً في المحاور الحيوية ذات الكثافة المرتفعة.

غير أن التراجع أو إعادة ترتيب هذه المشاريع أعاد النقاش بقوة حول قدرة المدينة على استيعاب الضغط المرتقب خلال المونديال، وفرض على السلطات الترابية والجهوية البحث عن بدائل عاجلة وفعالة، تقوم على إعادة تنظيم السير، وتوسيع بعض المدارات، واعتماد حلول تدبيرية ذكية لحركة المرور.

هذا التحول يعكس انتقالاً من منطق الحلول التحتية الثقيلة إلى منطق الحلول المندمجة والمرنة، القائمة على التنسيق بين النقل العمومي، والتخطيط الحضري، والتكنولوجيا الذكية.

“الباصواي” فاس: رهان هيكلي لإعادة تشكيل النقل الحضري

في هذا السياق، يبرز مشروع “الباصواي” (Busway) كأحد أهم البدائل الاستراتيجية لإعادة هيكلة النقل داخل المدينة، بكلفة تقديرية تقارب 1.8 مليار درهم.

ويرتقب أن يشكل هذا الخط محوراً رئيسياً في الربط بين الأقطاب الحيوية لفاس، من الأحياء السكنية الكبرى إلى الجامعة والمناطق السياحية والمركب الرياضي، عبر ممرات خاصة تضمن سرعة الانسيابية وتقليص زمن التنقل.

ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لتعويض محدودية الحلول الطرقية التقليدية، خاصة في ظل إعادة تقييم بعض المشاريع التحت أرضية.

دعم الأسطول الحضري: 250 حافلة جديدة لتعزيز العرض

وفي إطار تعزيز العرض التنقلي، تم ضخ 250 حافلة جديدة في شبكة النقل الحضري بمدينة فاس، ضمن برنامج يروم تحديث الأسطول وتحسين جودة الخدمة.

وتتميز هذه الحافلات بتجهيزات حديثة تشمل أنظمة المراقبة، والولوجيات الخاصة، والتكييف، إضافة إلى اعتماد محركات منخفضة الانبعاثات، بما ينسجم مع التوجهات البيئية الحديثة في تدبير النقل الحضري.

ويُنتظر أن تساهم هذه الخطوة في تخفيف الضغط على الخطوط الحالية، وتحسين الربط بين مختلف أحياء المدينة.

الثورة السككية: نحو شبكة قطارات مكوكية وجهوية

بالتوازي مع النقل الحضري، يبرز البعد السككي كأحد أهم ركائز التحول اللوجستيكي، من خلال مشاريع القطارات المكوكية والجهوية التي يُرتقب أن تربط فاس بمحيطها الجهوي، خاصة مكناس وسيدي قاسم ومحاور الرباط وطنجة.

هذا الربط السككي سيسمح بتوزيع الضغط على المدن المجاورة، وتمكين الجماهير من التنقل السريع نحو فاس دون إثقال كاهل البنية الطرقية داخل المدينة.

النقل الترددي: ربط المطار والمحطة ووسط المدينة

ضمن رؤية التنقل المتكامل، يبرز مشروع الحافلات الترددية (Shuttle Buses) كحل محوري لربط مطار فاس سايس بمحطة القطار ووسط المدينة.

ويهدف هذا النظام إلى توفير مسارات مباشرة وسريعة للزوار، تضمن انتقالاً سلساً من نقطة الوصول إلى الفضاءات الحضرية والفندقية، مع تقليص الازدحام حول المطار وتحسين تجربة التنقل منذ لحظة الوصول.

المحطة الطرقية الجديدة: إعادة تنظيم النقل الطرقي

في سياق إعادة هيكلة منظومة النقل، يكتسي مشروع المحطة الطرقية الجديدة لحافلات نقل المسافرين أهمية خاصة، باعتبارها بوابة رئيسية لتنظيم حركة النقل الطرقي بين فاس وباقي مدن المملكة.

ويرتقب أن توفر هذه المحطة فضاءً حديثاً مندمجاً يضمن استقبالاً منظماً للمسافرين، ويحد من الفوضى التي طبعت في السابق محيط محطات الانطلاق، عبر تجميع مختلف الخطوط في نقطة مركزية مجهزة بمعايير السلامة والجودة.

كما ستشكل هذه المحطة رافعة لإعادة تنظيم تدفق المسافرين داخل المدينة، وتخفيف الضغط عن المحاور الحضرية الرئيسية.

مخطط التنقل الذكي: نحو مدينة رقمية في تدبير الحركة

إلى جانب البنيات التقليدية، تراهن فاس على تنزيل مخطط التنقل الذكي، الذي يعتمد على إدماج التكنولوجيا في تدبير حركة السير والجولان.

ويشمل هذا المخطط أنظمة مراقبة ذكية، وتدبيراً رقمياً للإشارات الضوئية، وتحسين تدفق وسائل النقل العمومي في الزمن الحقيقي، بما يسمح بتقليص الاختناقات المرورية وتحسين انسيابية الحركة داخل المدينة.

كما يقوم هذا النموذج على دمج مختلف وسائل النقل داخل منظومة واحدة مترابطة تشمل الحافلات، الباصواي، القطارات، والنقل الترددي، في رؤية موحدة لتدبير التنقل الحضري.

مطار فاس سايس: نحو 5 ملايين مسافر سنوياً

في موازاة هذه المشاريع، يتواصل العمل على مشروع توسعة مطار فاس سايس، بهدف رفع طاقته الاستيعابية إلى 5 ملايين مسافر سنوياً، عبر بناء محطة جديدة وتحديث المدارج ومرافق الاستقبال.

هذا الورش من شأنه تعزيز موقع فاس كبوابة جوية إقليمية، وربطها بشكل أكبر بالعواصم الدولية، بما يتماشى مع حجم التدفقات المرتقبة خلال كأس العالم 2030.

نحو منظومة نقل متكاملة استعداداً للمونديال

إن ما تشهده فاس اليوم هو عملية إعادة هندسة شاملة لمنظومة النقل، تقوم على التكامل بين النقل الحضري والجهوي والجوي، في إطار رؤية موحدة تستهدف جعل المدينة أكثر انسيابية وجاهزية.

ورغم التحديات المرتبطة بإعادة النظر في بعض المشاريع التقليدية، فإن صعود البدائل الحديثة يعكس انتقالاً نحو نموذج أكثر مرونة وفعالية.

 فاس أمام اختبار الزمن اللوجستيكي

بين التراجع عن مشاريع الأنفاق، وصعود الباصواي، وتوسعة المطار، وإطلاق مخطط التنقل الذكي، تبدو فاس أمام لحظة تاريخية لإعادة تشكيل بنيتها اللوجستيكية.

وإذا كان رهان 2030 يمثل اختباراً حقيقياً، فإن نجاحه يظل مرهوناً بقدرة مختلف الفاعلين على تحويل هذه المشاريع من تصورات إلى واقع ملموس، يليق بمدينة تجمع بين التاريخ العريق والطموح المستقبلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى