الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تنجح في تدبير أزمة الماء.. وأشغال إصلاح العطب بقنوات جر المياه من سد إدريس الأول تقترب من نهايتها وسط دعوات إلى تعويض القنوات الإسمنتية بالفولاذية

تتواصل، لليوم الثاني على التوالي، أشغال إصلاح العطب الطارئ الذي أصاب قناة جر المياه الصالحة للشرب القادمة من سد إدريس الأول على مستوى منطقة بنجليق، في ورش استثنائي لم يتوقف منذ أكثر من 48 ساعة، حيث تواصلت الأشغال ليلاً ونهاراً في سباق مع الزمن لإعادة التزويد الطبيعي بالماء إلى مدينتي فاس ومكناس وعدد من المناطق المجاورة. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الورش يعرف تقدماً ملحوظاً، بعدما تمكنت الفرق التقنية من إزالة الجزء المتضرر وتعويض القنوات الإسمنتية المكسورة بقنوات حديدية فولاذية ضخمة، أكثر قدرة على تحمل الضغط والتقلبات الجيولوجية، في انتظار إنهاء الأشغال بعد زوال اليوم، وفق التقديرات الأولية، قبل الشروع في إعادة ملء خزانات التوزيع التابعة للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، ثم استئناف التزويد تدريجياً بالماء الصالح للشرب.
ومنذ الساعات الأولى لوقوع هذا العطب المفاجئ، سارعت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس إلى تفعيل مخطط استثنائي لتدبير الأزمة، من خلال اعتماد استراتيجية المناوبة بين الأحياء انطلاقاً من الخزانات الاحتياطية والقنوات البديلة المتوفرة، وهو ما مكن من التخفيف من آثار الانقطاع وضمان حد أدنى من التزويد لفائدة عدد من الأحياء، رغم محدودية الموارد المائية المتاحة خلال فترة الإصلاح. كما كثفت الشركة عمليات التواصل مع المواطنين، وقدمت توضيحات متواصلة بشأن تطور الأشغال، في خطوة لقيت تفاعلاً إيجابياً من طرف عدد كبير من السكان الذين أبدوا تفهماً لطبيعة العطب الاستثنائي.
ويؤكد متابعون أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس أبانت عن قدرة تنظيمية مهمة في تدبير هذه الأزمة، سواء من خلال التنسيق المستمر مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، أو عبر تعبئة فرقها التقنية لمواكبة وضعية التوزيع داخل المدن المتضررة، بما حدّ من انعكاسات الانقطاع الكامل، في انتظار عودة الوضع إلى طبيعته مباشرة بعد انتهاء الأشغال وإعادة ملء الخزانات، وهي عملية تقنية تستغرق بدورها عدة ساعات قبل وصول المياه إلى جميع المنازل بالضغط المعتاد.
وفي المقابل، يطرح هذا العطب، وهو الثاني من نوعه في أقل من شهر على مستوى نفس منظومة جر المياه القادمة من سد إدريس الأول، العديد من علامات الاستفهام حول الوضعية التقنية لهذه القنوات الاستراتيجية التي تزود الملايين من السكان. فالتكرار المتقارب للأعطاب يفرض، بحسب عدد من المهندسين والمتخصصين، فتح تحقيق تقني شامل للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء هذه الانكسارات، ومدى سلامة باقي المقاطع الممتدة على طول شبكة الجر، خاصة وأن المؤشرات الأولية توحي بوجود نقاط أخرى هشة قد تعرف أعطاباً مماثلة إذا لم يتم التدخل الاستباقي.
وتزداد خطورة هذه الأعطاب بالنظر إلى الكميات الهائلة من المياه التي تتدفق بقوة عند حدوث أي انكسار، وهو ما يؤدي إلى انجراف التربة المحيطة بالقناة وإضعاف بنيتها الحاضنة، الأمر الذي يضاعف من حجم الأضرار ويجعل عمليات الإصلاح أكثر تعقيداً. كما أن استمرار تسرب المياه لساعات أو لأيام قبل السيطرة الكاملة على العطب يساهم في توسيع دائرة التشققات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقنوات إسمنتية أصبحت، بحسب العديد من الخبراء، أقل قدرة على الصمود أمام التحولات الجيولوجية وضغط المياه مقارنة بالقنوات الفولاذية الحديثة.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إطلاق برنامج استثماري متكامل لتحديث البنية التحتية الخاصة بجر المياه، يرتكز على تعويض المقاطع الإسمنتية القديمة بقنوات فولاذية أو معدنية عالية المقاومة، مع اعتماد نظام رقمي للمراقبة المستمرة يسمح بالكشف المبكر عن أي تسرب أو تغير في الضغط قبل تحوله إلى عطب كبير. كما أن المراقبة اليومية لمسار القنوات، خصوصاً في المناطق الوعرة والمعرضة لتحركات التربة، أصبحت ضرورة ملحة لضمان أمن التزويد بالماء وتفادي تكرار سيناريوهات الانقطاع التي تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي خضم هذه التطورات، تواصل سلطات ولاية جهة فاس–مكناس تتبعها الميداني لتطور الأشغال، من خلال التنسيق المستمر مع مختلف المتدخلين، وعلى رأسهم المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب والشركة الجهوية متعددة الخدمات، بهدف تسريع وتيرة الإصلاح وضمان عودة التزويد في أقرب الآجال، مع الحرص على اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بتقليص مدة الانقطاع والحد من آثاره حماية للأمن الإجتماعي للساكنة.
وبينما يترقب سكان فاس ومكناس عودة المياه إلى صنابير منازلهم خلال الساعات المقبلة، فإن هذه الأزمة، رغم ما رافقها من صعوبات، أبرزت أهمية التنسيق المؤسساتي وسرعة التدخل الميداني، لكنها في الوقت نفسه أعادت إلى الواجهة ضرورة الانتقال من منطق الإصلاح عند وقوع الأعطاب إلى منطق الوقاية والاستباق، عبر تجديد الشبكات المتهالكة وتأهيل منظومة جر المياه القادمة من سد إدريس الأول بشكل شامل، حتى تظل هذه المنشأة الحيوية قادرة على تأمين التزود المنتظم بالماء الصالح للشرب، خاصة في ظل تزايد الطلب وتحديات الإجهاد المائي التي تعرفها المملكة.






