موجة تعيينات جديدة في الأنفاس الأخيرة من الولاية الحكومية.. هل تحولت المناصب العليا إلى سباق مع الزمن قبل الانتخابات؟

صادق مجلس الحكومة، خلال اجتماعه المنعقد امس الأربعاء، على سلسلة جديدة من التعيينات في مناصب عليا، شملت عددا من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية، وذلك طبقا لأحكام الفصل 92 من الدستور، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول جدوى استمرار وتيرة التعيينات المكثفة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
وشملت هذه التعيينات مسؤولين بعدد من القطاعات، من بينها التجهيز والماء، والتربية الوطنية، والتعليم العالي، والعدل، والفلاحة، والصناعة، والسياحة، وحقوق الإنسان، والتعمير، حيث جرى تعيين مديرين عامين ومديرين مركزيين ومفتشين عامين ومسؤولين على مؤسسات استراتيجية.
ورغم أن الدستور يمنح الحكومة صلاحية التعيين في عدد من المناصب العليا، فإن توقيت هذه التعيينات يثير، في نظر عدد من المتابعين، الكثير من علامات الاستفهام، خاصة وأن الولاية الحكومية دخلت مراحلها الأخيرة، فيما تستعد الأحزاب السياسية لخوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية كان يفترض أن تطبعها، من الناحية السياسية والأخلاقية، درجة أكبر من التحفظ في اتخاذ القرارات ذات الأثر البعيد، مع التركيز على تدبير الملفات الجارية واستكمال الالتزامات الحكومية، بدل الإقدام على موجات متتالية من التعيينات في مواقع استراتيجية قد تمتد آثارها لسنوات بعد انتهاء الولاية الحالية.
ويعتبر عدد من الفاعلين أن تكثيف المصادقة على المناصب العليا في الأشهر الأخيرة من عمر الحكومة يبعث برسائل غير مريحة إلى الرأي العام، خصوصا في ظل الاحتقان السياسي الذي يسبق كل محطة انتخابية، إذ تتزايد التساؤلات حول المعايير التي تحكم هذه التعيينات، وما إذا كانت تستند حصرا إلى الكفاءة والاستحقاق، أم أن الحسابات السياسية والحزبية أصبحت حاضرة في جزء منها.
وتزداد هذه التساؤلات مع تزامن هذه التعيينات مع التحركات الانتخابية للأحزاب، وهو ما يغذي لدى شريحة من المواطنين حالة من الشك، ويفتح المجال أمام تأويلات تتحدث عن احتمال وجود تفاهمات أو ترتيبات سياسية، رغم عدم وجود ما يثبت ذلك في الوقائع المعلنة. غير أن مجرد اتساع هذا الانطباع داخل الرأي العام يكشف حجم الحاجة إلى مزيد من الشفافية في تدبير التعيينات العمومية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويبعد عنها أي شبهة.
كما يرى متابعون أن المناصب العليا ليست مجرد قرارات إدارية عادية، بل ترتبط بتدبير مؤسسات استراتيجية، والإشراف على ميزانيات وبرامج عمومية كبرى، وهو ما يفرض، في كل الظروف، الحرص على أن تكون معايير الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص هي الفيصل الوحيد في شغلها.
وفي المقابل، يدعو عدد من المهتمين بالشأن العام إلى ترسيخ تقليد سياسي يقوم على قدر أكبر من ضبط النفس المؤسساتي خلال الأسابيع أو الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية، بما ينسجم مع روح التداول الديمقراطي، ويجنب أي قرارات قد تُفهم على أنها محاولة لترتيب مواقع النفوذ الإداري قبل انتقال محتمل في الأغلبية الحكومية.
وفي جميع الأحوال، فإن هذه التعيينات ستظل محط متابعة ونقاش، ليس فقط بسبب عددها واتساع القطاعات التي شملتها، وإنما أيضا لأنها جاءت في مرحلة سياسية دقيقة، تتطلع فيها فئات واسعة من المواطنين إلى تكريس مبادئ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان أن تظل المناصب العليا بعيدة عن كل تأويل سياسي، حفاظا على ثقة المغاربة في مؤسسات الدولة والإدارة العمومية.





