قضايا

حتجاجات وحصار للمسؤولين في افتتاح مهرجان “عيساوة” بمكناس.. عمال “سيكوم يخطفون الأضواء ويعيدون أسئلة الأولويات التنموية والإنفاق العمومي إلى الواجهة” ي

لم يكن افتتاح الدورة السادسة من مهرجان “عيساوة.. مقامات وإيقاعات عالمية” بمدينة مكناس حدثاً ثقافياً خالصاً، بل تحول إلى مشهد امتزجت فيه أهازيج التراث العيساوي بأصوات الاحتجاج، بعدما اختار عمال وعاملات شركة “سيكوم” التواجد بالقرب من فضاءات المهرجان للمطالبة بإنصافهم وتسوية ملفهم الاجتماعي، في رسالة جديدة مفادها أن معاناتهم المستمرة منذ سنوات لا تزال تبحث عن حلول عملية.

وشكلت هذه الاحتجاجات، التي تزامنت مع انطلاق فعاليات المهرجان، أبرز حدث رافق الافتتاح، بعدما رفع المحتجون شعارات ولافتات تطالب بإنهاء معاناة مئات الأسر التي تأثرت بإغلاق الشركة، في وقت كانت فيه مكناس تستعد لاستقبال عروض فنية وتراثية بمشاركة فرق عيساوية وفنانين من داخل المغرب وخارجه.

ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن تكرار حضور هذا الملف في مختلف المناسبات الكبرى يعكس حجم الأزمة الاجتماعية التي تعيشها فئات من المدينة، ويؤشر إلى أن الملف لم يبلغ بعد نهايته رغم مرور سنوات على اندلاعه.

وفي المقابل، يواصل مهرجان “عيساوة” ترسيخ مكانته ضمن أبرز التظاهرات الثقافية بالمغرب، في إطار الرهان على تثمين التراث اللامادي لمدينة مكناس وتعزيز جاذبيتها الثقافية والسياحية، وهو رهان يحظى بدعم عدد من المؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

غير أن حجم التمويل العمومي الذي يخصص للمهرجان أعاد النقاش حول أولويات الإنفاق داخل جهة فاس–مكناس. فوفق المعطيات المتداولة، يحظى المهرجان بدعم مالي مهم من مجلس جهة فاس–مكناس، إلى جانب مساهمات مؤسسات وجماعات ترابية أخرى، وهو ما يثير لدى جزء من الرأي العام تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين دعم التظاهرات الثقافية والاستجابة للملفات الاجتماعية والتنموية التي لا تزال مطروحة بقوة داخل المدينة.

ويأتي هذا النقاش في وقت تعرف فيه مكناس تحديات متعددة ترتبط بالتشغيل والاستثمار وتحسين الخدمات العمومية وتأهيل البنيات الأساسية، وهي ملفات يعتبرها عدد من الفاعلين المحليين ذات أولوية، إلى جانب ضرورة تثمين الرصيد الثقافي والحضاري الذي تزخر به المدينة.

كما أثير خلال الدورة الحالية نقاش محلي حول الجوانب المرتبطة بحكامة تدبير المهرجان، في ظل تداول معطيات بشأن تولي أحد موظفي مجلس جهة فاس–مكناس مسؤولية إدارته، وهو ما دفع عدداً من المتابعين إلى المطالبة بمزيد من التوضيح والشفافية بشأن الإطار التنظيمي المعتمد، بما يعزز الثقة في تدبير التظاهرات الممولة من المال العام ويكرس مبادئ الحكامة الجيدة.

وو سط أجواء متوترة و غستنفار أمني و لمختلف تلاوين القوات العمومية، برزت احتجاجات عمال “سيكوم” باعتبارها الوجه الآخر للمشهد، إذ يرى المحتجون أن استمرار معاناتهم لسنوات طويلة جعل من كل مناسبة رسمية فرصة لإيصال صوتهم، في انتظار حلول تنهي وضعية يعتبرونها من أطول الملفات الاجتماعية بالمدينة.

وفي خضم هذا الجدل، عاد النقاش بقوة حول حجم الاعتمادات العمومية الموجهة للمهرجان. فوفق المعطيات المتداولة محلياً، خصص مجلس جهة فاس–مكناس، برئاسة عبد الواحد الأنصاري، دعماً مالياً يقدر بحوالي خمسة ملايين درهم لفائدة تنظيم مهرجان “عيساوة”، إلى جانب مساهمات مالية ولوجستية من جماعة مكناس ومؤسسات عمومية وشركاء آخرين. ويعتبر متابعون أن هذا المستوى من التمويل العمومي يعكس الرهان على جعل المهرجان من أبرز التظاهرات الثقافية بالمملكة، لكنه في المقابل فتح باب النقاش حول كيفية تحقيق التوازن بين دعم الأنشطة الثقافية وتمويل البرامج الاجتماعية والتنموية، خاصة في مدينة ما تزال تواجه ملفات شائكة تتعلق بالتشغيل والاستثمار والأوضاع الاجتماعية. ويرى عدد من الفاعلين أن الثقافة تشكل رافعة للتنمية، غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطاً أيضاً بقدرة المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية على مواكبة الملفات الاجتماعية العالقة، حتى لا تتحول الاحتفالات إلى مناسبة تتجدد فيها مطالب فئات واسعة تنتظر حلولاً ملموسة لقضاياها اليومية.

وفي المقابل، أعادت الاحتجاجات المتكررة إلى الواجهة النقاش حول حصيلة تدبير عامل الإقليم عبدالغني الصبار لعدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت مطروحة بإقليم مكناس خلال السنوات الماضية. ويرى عدد من المتابعين أن استمرار ملف عمال “سيكوم” دون تسوية نهائية، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بالتشغيل والتنمية الحضرية وتحسين الخدمات، يعكس حجم التحديات التي ما تزال تواجه المدينة رغم مرور سنوات على إطلاق عدد من البرامج والمبادرات. كما يعتبرون أن تكرار الاحتجاجات خلال المناسبات الرسمية والثقافية يؤشر إلى أن جزءاً من الساكنة لا يزال ينتظر حلولاً عملية وملموسة لملفات اجتماعية عمرت طويلاً، بما ينسجم مع تطلعات المدينة وإمكاناتها التاريخية والاقتصادية.

ويرى متابعون أن الاستثمار في الثقافة يعد خياراً استراتيجياً لتنشيط الاقتصاد المحلي واستقطاب الزوار وإبراز الموروث الحضاري لمكناس، غير أن هذا المسار يكتسب قوة أكبر عندما يتزامن مع تقدم ملموس في معالجة الملفات الاجتماعية، بما يضمن انسجام السياسات العمومية مع انتظارات المواطنين.

وبين الاحتفاء بتراث “عيساوة” العريق، واستمرار الاحتجاجات الاجتماعية، تبقى الرسالة التي حملها افتتاح المهرجان هذا العام واضحة: فنجاح التظاهرات الثقافية لا يقاس فقط بحجم العروض أو عدد الحضور، وإنما أيضاً بقدرتها على أن تنعقد في محيط اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن قضاياه الأساسية تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به المناسبات الاحتفالية، وأن التنمية الثقافية والتنمية الاجتماعية مساران متكاملان لا متعارضان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى