حرب التزكيات تشتعل داخل الأحزاب بجهة فاس–مكناس.. اللوائح الجهوية للنساء في قلب صراع النفوذ والمال

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت حرارة المنافسة السياسية ترتفع بشكل لافت داخل مختلف الأحزاب بجهة فاس–مكناس، غير أن المعركة الأكثر شراسة لا تدور هذه المرة حول الدوائر المحلية، وإنما حول اللوائح الجهوية الخاصة بالنساء، التي تحولت، وفق ما تتداوله مصادر سياسية متطابقة، إلى ساحة لصراع خفي بين مراكز النفوذ داخل الأحزاب، في محاولة لفرض أسماء بعينها وإبعاد أخرى، بعيدا عن أي منطق يرتبط بالكفاءة أو المسار النضالي.
وتؤكد معطيات متداولة داخل الأوساط الحزبية أن عددا من المنسقين الجهويين والإقليميين دخلوا في سباق محموم من أجل التحكم في مسار التزكيات، حيث باتت الكلمة الفصل، في بعض الحالات، لا تعود إلى المؤسسات الحزبية أو آليات الديمقراطية الداخلية، بل إلى ميزان العلاقات والنفوذ، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى احترام الأحزاب لخطابها المعلن بشأن تجديد النخب وربط المسؤولية بالكفاءة.
وتتحدث مصادر متطابقة عن وجود ضغوط قوية تمارس داخل بعض التنظيمات السياسية لتزكية أسماء تربطها علاقات قرابة بقيادات أو مسؤولين حزبيين، سواء تعلق الأمر ببنات أو زوجات أو قريبات بعض النافذين، في مقابل تهميش مناضلات راكمن سنوات طويلة من العمل الميداني والتنظيمي، وأسهمن في تأطير المواطنين والدفاع عن قضاياهم داخل الهياكل الحزبية.
وتزداد حدة الجدل كلما اقتربت لحظة الحسم، إذ يرى عدد من المتابعين أن اللوائح النسوية التي أُحدثت أصلا لتعزيز الحضور السياسي للمرأة، أصبحت في بعض التجارب وسيلة لإعادة إنتاج نفس دوائر النفوذ، ومنح الفرصة لأسماء تحظى بدعم “النافذين”، بدل فتح المجال أمام الكفاءات النسائية القادرة على تمثيل المواطنات والمواطنين داخل المؤسسة التشريعية.
وفي خضم هذه الأجواء، تتردد داخل الكواليس السياسية اتهامات خطيرة تتحدث عن أن معيار الحصول على التزكية لم يعد دائما مرتبطا بالنضال أو الحضور السياسي أو المشروع المجتمعي، بل أصبح، في بعض الحالات، خاضعا لحسابات النفوذ والقدرة المالية، حيث يروج حديث واسع عن سباق غير معلن يحاول فيه بعض الطامحين إلى التزكية استثمار إمكانياتهم أو علاقاتهم لضمان مواقع متقدمة داخل اللوائح، وهي معطيات تبقى في حاجة إلى الإثبات، لكنها تعكس حجم الاحتقان والشكوك التي تخيم على المرحلة الحالية.
وإذا كانت هذه المعطيات تثير الكثير من الجدل، فإنها تكشف في المقابل عن أزمة أعمق تعيشها بعض الأحزاب، تتمثل في اتساع الهوة بين الخطاب والممارسة. فالأحزاب التي ترفع شعارات الديمقراطية الداخلية، وتمكين المرأة، وتجديد النخب، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ترجمة تلك المبادئ إلى قرارات عملية، بعيدا عن منطق الولاءات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
ويرى فاعلون سياسيون أن استمرار هذه الممارسات، إن صحت، من شأنه أن يضعف ثقة الرأي العام في العمل الحزبي، ويكرس الإحساس بأن فرص الوصول إلى المؤسسات المنتخبة لا تحكمها دائما الكفاءة والاستحقاق، وإنما قد تتأثر بموازين القوة داخل التنظيمات السياسية.
كما أن إقصاء مناضلات راكمن تجربة طويلة في التأطير والعمل الميداني، مقابل الدفع بأسماء حديثة الالتحاق بالحزب أو تفتقد إلى التجربة السياسية، قد يفرغ فلسفة تمثيلية النساء من مضمونها الحقيقي، ويحرم المؤسسة التشريعية من كفاءات نسائية أثبتت حضورها في المجتمع وفي العمل السياسي.
وتبقى جهة فاس–مكناس، بحكم وزنها الانتخابي والسياسي، إحدى أكثر الجهات التي تستقطب الأنظار خلال هذه المرحلة، إذ من المنتظر أن تكون التزكيات مؤشرا حقيقيا على طبيعة الاختيارات التي ستعتمدها الأحزاب استعدادا للانتخابات المقبلة، وعلى مدى التزامها بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي النهاية، فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمن سيحصل على تزكية أو مقعد برلماني، بل بمصداقية العملية السياسية برمتها. فكلما انتصرت معايير الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، تعززت ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، أما إذا بقيت التزكيات رهينة للصراعات الداخلية، وشبكات النفوذ، ومنطق المصالح الضيقة، فإن ذلك سيزيد من اتساع فجوة الثقة بين المواطن والأحزاب، في مرحلة يحتاج فيها المغرب أكثر من أي وقت مضى إلى نخب سياسية قادرة على تمثيل المجتمع والدفاع عن قضاياه بكفاءة ومسؤولية.






