
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، تدخل المملكة مرحلة مفصلية عنوانها حماية نزاهة الاقتراع وتحصين الإرادة الشعبية، في ظل اعتماد مقتضيات قانونية جديدة تعد من بين الأكثر صرامة في تاريخ الانتخابات المغربية، تستهدف كل من تسول له نفسه العبث بالعملية الديمقراطية أو توظيف المال والنفوذ للتأثير على أصوات الناخبين.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت بدأت فيه مؤشرات الحراك الانتخابي تظهر في عدد من الدوائر، وسط تنامي الحديث عن تحركات يقوم بها بعض الوسطاء والسماسرة ومرشحين محتملين يسعون إلى إعادة إحياء ممارسات لطالما أفسدت الاستحقاقات السابقة، عبر استغلال الأموال المشبوهة، وشراء الولاءات، وتوظيف شبكات النفوذ المحلي، بدل الاحتكام إلى البرامج والكفاءة والتنافس السياسي الشريف.
ويرى متابعون أن الدولة بعثت برسالة واضحة قبل أشهر من موعد الاقتراع، مفادها أن الانتخابات المقبلة ستجرى في ظل رقابة قانونية مشددة، وأن أي محاولة للمساس بحرية الناخب أو نزاهة التصويت لن تمر دون مساءلة، بعدما تم توسيع دائرة الجرائم الانتخابية وتشديد العقوبات السجنية والمالية بشكل غير مسبوق.
ويشكل القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب الإطار القانوني الجديد الذي يعكس هذا التوجه، حيث لم يعد يقتصر على معاقبة المخالفات التقليدية، بل وسع نطاق التجريم ليشمل مختلف الأساليب الحديثة التي يمكن أن تستغل للتأثير على المسار الانتخابي، سواء ميدانيا أو رقميا.
ومن أبرز المقتضيات الجديدة، التنصيص على عقوبات حبسية تتراوح بين خمس وعشر سنوات لكل من يعتدي على صناديق الاقتراع أو يستولي عليها أو يمس بسرية التصويت، فيما يمكن أن تصل العقوبة إلى 20 سنة سجنا نافذا إذا ارتكبت هذه الأفعال في إطار مخطط منظم أو شبكة تستهدف التأثير على نتائج الانتخابات أو المساس بسلامة العملية الانتخابية.
كما شدد القانون العقوبات المرتبطة بشراء الأصوات واستعمال المال لاستمالة الناخبين، حيث يعاقب كل من يقدم أو يعرض أموالا أو هدايا أو امتيازات أو منافع مقابل التصويت أو الامتناع عنه، أو يمارس التهديد أو الضغط أو الإكراه، بعقوبات حبسية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، إضافة إلى غرامات مالية قد تصل إلى 100 ألف درهم، مع تشديد العقوبة إذا كان الفاعل موظفا عموميا أو شخصا مكلفا بمهمة إدارية.
ولم يستثن النص القانوني استغلال المناصب والمسؤوليات العمومية، إذ أصبح كل موظف أو مسؤول يستغل سلطته أو إمكانيات الإدارة للدعاية الانتخابية أو لخدمة مترشح أو حزب معين معرضا لعقوبات زجرية، في إطار تعزيز مبدأ حياد الإدارة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.
وفي ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا، أدخل المشرع لأول مرة مقتضيات خاصة بمواجهة الجرائم الانتخابية الرقمية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تشكل فضاء قد يستغل لنشر الأخبار الزائفة، أو صناعة مقاطع فيديو وصور مفبركة، أو تلفيق تصريحات وهمية بغرض التأثير على الرأي العام والإساءة إلى المترشحين.
وبموجب هذه المقتضيات، يواجه كل من يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي أو الوسائط الرقمية لإنتاج أو نشر محتوى مزيف يمس بنزاهة الانتخابات أو يضلل الناخبين، عقوبات تصل إلى خمس سنوات حبسا، إضافة إلى غرامات مالية مهمة، في خطوة تعكس حرص المشرع على مواكبة التحولات الرقمية وحماية العملية الديمقراطية من مخاطر التضليل الإلكتروني.
كما جرم القانون نشر الإشاعات والأخبار الكاذبة التي من شأنها التأثير على توجهات الناخبين أو التشويش على سير الاقتراع، إلى جانب منع إدخال الهواتف المحمولة والأجهزة الإلكترونية إلى مكاتب التصويت ولجان الإحصاء، حفاظا على سرية الاقتراع ومنعا لأي ممارسات قد تمس بنزاهة العملية الانتخابية.
ولا تقتصر العقوبات على الجانب الزجري فقط، بل تمتد إلى التجريد من الحقوق السياسية، حيث يمكن أن يحرم المدانون في الجرائم الانتخابية من حق التصويت لمدة خمس سنوات، ومن حق الترشح لولايتين تشريعيتين متتاليتين، فضلا عن العقوبات التكميلية التي قد تقضي بها المحاكم بحسب طبيعة كل قضية.
ويؤكد مراقبون أن نجاح هذه المنظومة القانونية سيظل مرتبطا بصرامة تنزيلها على أرض الواقع، من خلال التطبيق المتساوي للقانون على جميع المخالفين، دون تمييز أو استثناء، بما يقطع مع الممارسات التي أضعفت ثقة المواطنين في بعض المحطات الانتخابية السابقة.
وتبقى الرهانات المطروحة اليوم أكبر من مجرد تنظيم انتخابات في موعدها الدستوري، إذ يتعلق الأمر بترسيخ ثقافة سياسية جديدة يكون فيها الاحتكام إلى صناديق الاقتراع الحرة والنزيهة هو السبيل الوحيد للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، بعيدا عن المال الحرام، والوساطة، واستغلال النفوذ، وكل أشكال الإفساد الانتخابي.
ومع العد التنازلي لانطلاق الحملة الانتخابية، تبدو الرسالة حاسمة: القانون سيكون بالمرصاد لكل من يحاول الاتجار في أصوات المواطنين أو تزوير إرادتهم، والانتخابات المقبلة يفترض أن تكون محطة لترسيخ النزاهة والشفافية، لا ساحة لعودة سماسرة الانتخابات وشبكات المال المشبوه.






