حدائق فاس بين عجز التدبير ورهان الإنقاذ.. هل حان أوان شركة جهوية متخصصة في المساحات الخضراء؟

عاد ملف المساحات الخضراء والحدائق والفضاءات العمومية إلى واجهة النقاش المحلي بمدينة فاس، في ظل مطالب متزايدة بتوفير حدائق آمنة ومجهزة وقريبة من السكان، خصوصاً في الأحياء التي ظلت لسنوات تعاني من نقص واضح في الفضاءات الخضراء أو من تراجع مستوى العناية بالحدائق الموجودة.
ولم يعد الأمر يتعلق بمجرد مطلب جمالي أو ترفيهي، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بجودة الحياة داخل المدينة، وبقدرة المجال الحضري على توفير فضاءات تستجيب لحاجيات الأسر والأطفال والشباب وكبار السن، خصوصاً في ظل التوسع العمراني وارتفاع الكثافة السكانية وتزايد الضغط على الفضاءات العمومية.
فالحديقة ليست مجرد أشجار وأعشاب ومساحات مزروعة، وإنما مرفق عمومي له أدوار بيئية واجتماعية وصحية، ويساهم في تخفيف آثار الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وتوفير أماكن للراحة وممارسة الرياضة والتواصل الاجتماعي.
غير أن واقع عدد من حدائق فاس يكشف، في المقابل، عن إشكال أعمق يرتبط بضعف التدبير والاستمرارية في الصيانة والتأهيل، وهو ما جعل عدداً من الفضاءات الخضراء عرضة للتراجع والتهميش، بل إن بعضها فقد جزءاً كبيراً من وظيفته الأصلية وتحول إلى فضاءات مهملة أو مستعملة في غير الغرض المخصص لها.
عجز جماعي يفتح الباب أمام تدخلات أخرى
وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون تدبير الحدائق والمساحات الخضراء جزءاً أساسياً من صميم الخدمات الحضرية التي تقدمها الجماعة، فإن الحصيلة المسجلة خلال السنوات الماضية تطرح أكثر من علامة استفهام حول قدرة المجلس الجماعي على بناء سياسة متكاملة ومستدامة في هذا المجال.
فالمشكل في فاس لم يعد مرتبطاً فقط بإحداث حدائق جديدة، وإنما بالدرجة الأولى بكيفية المحافظة على الموجود منها، وإعادة تأهيل المتدهور، وضمان الصيانة المنتظمة، وتوفير الإنارة والتجهيزات وحماية هذه الفضاءات من مختلف أشكال الاستغلال العشوائي.
وهنا تبرز محدودية التدبير الجماعي للملف، إذ لا يمكن أن تظل المساحات الخضراء رهينة بمبادرات متفرقة أو تدخلات ظرفية، بينما تحتاج المدينة إلى رؤية واضحة تمتد لسنوات، وتحدد الأولويات والمناطق الأكثر حاجة، وتضمن التمويل والصيانة والمراقبة بشكل مستمر.
وفي المقابل، أظهرت السلطات المحلية خلال الفترة الأخيرة حضوراً أكبر في عدد من الأوراش المرتبطة بتأهيل المجال الحضري، من خلال مواكبة مشاريع إعادة الاعتبار للفضاءات العمومية، وتشجيع تنزيل مساحات خضراء جديدة، والتدخل لمعالجة عدد من مظاهر التدهور التي كانت تؤثر على المشهد الحضري وجودة الحياة داخل الأحياء.
«فاس الجهة للتهيئة».. إعادة الحياة إلى حدائق كانت على حافة التهميش
ومن بين الديناميات التي تستحق التوقف عندها تدخل شركة فاس الجهة للتهيئة في عدد من المناطق والأحياء، حيث ساهمت أوراش التأهيل في إعادة الاعتبار إلى مجموعة من الفضاءات التي كانت مهددة بفقدان وظيفتها وتحولت، بفعل الإهمال وتراكم السنوات، إلى فضاءات أقل جاذبية وأضعف استفادة من طرف السكان.
وقد شملت هذه الدينامية إعادة تأهيل عدد من المناطق والفضاءات، وإحياء حدائق داخل الأحياء كانت معرضة للتهميش، بما أعاد إليها جزءاً من وظيفتها الاجتماعية والبيئية، وجعلها مجدداً فضاءات يمكن للسكان الاستفادة منها.
وتكتسي هذه التدخلات أهمية خاصة لأنها تكشف أن جزءاً من الحل لا يحتاج دائماً إلى البحث عن مساحات جديدة، وإنما يبدأ أحياناً من إنقاذ الموجود وإعادة الحياة إليه.
فكم من حديقة داخل حي سكني يمكن أن تتحول، بعد تأهيل بسيط ومدروس، إلى فضاء يومي للأطفال والعائلات؟ وكم من مساحة كانت تبدو عديمة القيمة يمكن أن تصبح متنفساً للسكان إذا أحسن تخطيطها وتجهيزها وصيانتها؟
وهنا تظهر أهمية ربط مشاريع التهيئة بالبعد الاجتماعي والبيئي، وعدم اختزال التأهيل الحضري في الطرق والأرصفة والواجهات، لأن جودة المدينة تقاس أيضاً بما توفره من فضاءات للإنسان.
جهود السلطات.. لكن الحاجة أكبر من التدخلات الظرفية
ولا يمكن الحديث عن واقع المساحات الخضراء بفاس دون إبراز الجهود التي تبذلها السلطات المحلية في مواكبة عدد من الأوراش الحضرية، والدفع نحو تحسين المشهد العام للمدينة، فضلاً عن دعم تنزيل فضاءات جديدة وإعادة تأهيل أخرى.
غير أن حجم المدينة واتساع رقعتها وعدد أحيائها يجعل الحاجة أكبر بكثير من قدرة أي تدخل ظرفي على تغطية جميع الاحتياجات.
ففاس تحتاج إلى سياسة شاملة للحدائق والمساحات الخضراء، تبدأ من تحديد الخصاص على مستوى كل حي، ولا تنتهي عند وضع برنامج سنوي للصيانة والتجديد.
كما تحتاج المدينة إلى الانتقال من منطق «التدخل عندما تتدهور الحديقة» إلى منطق الصيانة الوقائية، لأن تكلفة الحفاظ على حديقة قائمة غالباً ما تكون أقل من تكلفة تركها تتدهور ثم إعادة تأهيلها من الصفر.
حان الوقت لشركة جهوية متخصصة
ومن هنا تبرز فكرة أصبحت تستحق النقاش الجدي: متى يتم تنزيل شركة جهوية للتنمية متخصصة في المساحات الخضراء والحدائق؟
فالمسألة لم تعد ترفاً مؤسساتياً، بل يمكن أن تشكل حلاً عملياً لمشكل ظل يتكرر لسنوات، خصوصاً إذا تم تصميم الشركة وفق نموذج حكامة واضح، وتخصصت حصراً في التخطيط وإحداث وتأهيل وصيانة وتدبير المساحات الخضراء والحدائق بمختلف مدن وأقاليم الجهة.
شركة جهوية متخصصة يمكن أن تجمع الخبرة التقنية والموارد البشرية والتخطيط الموحد، وأن تتعامل مع الحدائق باعتبارها بنية تحتية حضرية تحتاج إلى تدبير مهني مستمر، وليس مجرد مساحات تحتاج إلى السقي والتشذيب من حين إلى آخر.
كما يمكن لمثل هذه المؤسسة أن تضع قاعدة بيانات دقيقة للمساحات الخضراء، وتحدد حالتها، ومساحة كل حديقة، وحاجياتها، وكلفة صيانتها، وتاريخ تدخلات التأهيل بها، بما يسمح بتوجيه الاستثمارات وفق معايير موضوعية.
والأهم أن وجود مؤسسة متخصصة قد يساعد على إنهاء حالة تشتت المسؤوليات، ويجعل المواطن يعرف الجهة التي تتحمل مسؤولية الحديقة منذ مرحلة التصميم والإحداث إلى غاية الصيانة والمراقبة.
فاس تحتاج إلى «عدالة خضراء»
التحدي المقبل لا ينبغي أن يكون فقط في زيادة عدد الحدائق، وإنما في تحقيق ما يمكن تسميته العدالة الخضراء داخل المدينة.
فليس من المقبول أن تتوفر بعض الأحياء على حدائق وفضاءات مجهزة، بينما تعاني أحياء أخرى من نقص حاد في الأشجار والمساحات المفتوحة والفضاءات المخصصة للأطفال.
والمدينة العادلة بيئياً هي التي يحصل فيها المواطن، أينما كان موقع سكنه، على إمكانية الوصول إلى فضاء أخضر قريب وآمن ونظيف.
كما أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة يجعلان من الأشجار والحدائق إحدى أدوات التكيف الحضري مع الحرارة، وهو ما يفرض أن تصبح المساحات الخضراء جزءاً من التخطيط العمراني المستقبلي لفاس، وليس مجرد عنصر تجميلي.
المطلوب ليس المزيد من الحدائق فقط.. بل حماية ما تم إنجازه
لقد أظهرت التجربة أن إحداث حديقة جديدة لا يمثل سوى نصف المهمة، بينما النصف الأصعب يبدأ بعد افتتاحها.
فالحديقة تحتاج إلى السقي والصيانة والتشذيب والإنارة والنظافة والحراسة والتجهيز المستمر، كما تحتاج إلى حماية الملك العمومي من الاحتلال والاستغلال غير الملائم.
ولهذا، فإن أي مشروع جديد للمساحات الخضراء يجب أن يتضمن منذ البداية ميزانية واضحة للصيانة، وبرنامجاً سنوياً للتدخل، وآليات للمراقبة والتقييم.
وبالموازاة مع ذلك، فإن تأهيل الحدائق التي أعيد إحياؤها داخل الأحياء يجب ألا يتوقف عند انتهاء الأشغال، بل ينبغي ضمان استمرارية العناية بها حتى لا تعود بعد سنوات قليلة إلى الوضع الذي كانت عليه.
المدينة التي تستثمر في الإنسان تستثمر في حديقتها
لقد آن الأوان لكي ينتقل النقاش في فاس من سؤال: كم حديقة لدينا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كم حديقة يمكن للمواطن أن يستعملها فعلاً، ويجدها نظيفة وآمنة ومجهزة وقريبة منه؟
فالمساحات الخضراء ليست كماليات يمكن تأجيلها، بل أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للمدينة الحديثة، مثل الطرق والإنارة والتطهير والمرافق العمومية.
وإذا كانت بعض التدخلات الأخيرة قد أعادت الحياة إلى حدائق كانت مهددة بالتهميش، وإذا كانت السلطات قد دفعت في اتجاه تنزيل فضاءات جديدة، وإذا كانت «فاس الجهة للتهيئة» قد ساهمت في إعادة تأهيل عدد من المناطق والفضاءات، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إطار مؤسساتي أكثر استدامة.
ومن هنا، يبدو أن تنزيل شركة جهوية متخصصة في المساحات الخضراء والحدائق لم يعد فكرة مؤجلة، بل ورشاً ينبغي فتح النقاش حوله بجدية.
ففاس لا تحتاج فقط إلى حدائق جديدة، وإنما تحتاج إلى مؤسسة تضمن ألا تعود الحدائق القديمة إلى التهميش، وأن تتحول كل مساحة خضراء إلى استثمار مستدام في صحة السكان، وجمالية المدينة، وقدرتها على مواجهة تحديات المناخ.
فالمدينة التي تريد أن تكون عصرية لا تقاس فقط بعلو بناياتها واتساع طرقاتها، وإنما أيضاً بعدد الأشجار التي تحمي سكانها من الحرارة، وبعدد الحدائق التي تمنح أطفالها مكاناً آمناً للعب، وبقدرتها على الحفاظ على فضاءاتها العمومية للأجيال المقبلة.






