«البام» يرفع شعار «تغيير المسار».. 20 التزاماً و350 مليار درهم ومليون منصب شغل في قلب برنامجه الانتخابي

الرباط – دخل حزب الأصالة والمعاصرة رسمياً مرحلة السباق الانتخابي نحو تشريعيات 23 شتنبر، بكشفه عن برنامجه الانتخابي الذي اختار له شعار «من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة»، مقدماً عرضاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يقوم على خمسة مواثيق كبرى، ويضع القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمن الاستراتيجي والنمو المستدام في صلب أولوياته.
البرنامج الذي قدمته قيادة الحزب مساء الثلاثاء بالرباط لا يكتفي، بحسب ما يؤكده «البام»، بتقديم وعود انتخابية عامة، بل يحدد 20 التزاماً قابلاً للتنفيذ والتتبع، مع تقدير مالي للكلفة الإضافية للبرنامج يصل إلى نحو 350 مليار درهم على مدى الولاية الحكومية المقبلة، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً. كما يضع الحزب هدفاً طموحاً يتمثل في خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال خمس سنوات.
تغيير المسار.. رسالة سياسية قبل أن تكون شعاراً انتخابياً
اختيار «تغيير المسار» عنواناً للبرنامج يحمل دلالة سياسية واضحة، خصوصاً أن حزب الأصالة والمعاصرة يوجد في موقع الأغلبية الحكومية الحالية، وبالتالي فإن تقديم نفسه اليوم باعتباره قوة سياسية تسعى إلى تغيير المسار يضعه أمام معادلة دقيقة: الدفاع عن المكتسبات التي تحققت خلال الولاية الحكومية، وفي الوقت نفسه الاعتراف بوجود اختلالات تستوجب التصحيح.
وفي الكلمة التي قدمتها القيادة الجماعية للحزب، جرى التأكيد على أن انتخابات 2026 ليست محطة انتخابية عادية، وإنما استحقاق ذو حمولة سياسية ومجتمعية، يأتي في سياق داخلي ودولي يفرض، بحسب الحزب، الوقوف بشكل مسؤول أمام حقيقة الأوضاع وعدم الاكتفاء بتجميلها.
أما محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية للحزب، فقد قدم البرنامج باعتباره حصيلة عمل امتد لأشهر، بمشاركة قيادات ومناضلات ومناضلي الحزب وأطره ومرشحيه، مع التركيز على تقديم حلول عملية لما يعتبره «البام» أبرز التحديات التي تواجه المغاربة.
القدرة الشرائية.. الميثاق الأول والأكثر التصاقاً بالمعيش اليومي
اختار الحزب أن يبدأ برنامجه بملف يكاد يكون الأكثر حساسية بالنسبة إلى الأسر المغربية: القدرة الشرائية.
ويتضمن الميثاق الأول، الذي خصص له الحزب حوالي 150 مليار درهم، مجموعة من الالتزامات المرتبطة بالأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي وسلاسل الإنتاج والتوزيع. ومن أبرز المقترحات إحداث شركات جهوية للتوزيع الفلاحي بهدف تقليص حلقات الوساطة بين المنتجين وتجار التقسيط، وربط جزء من الدعم الفلاحي بتخصيص حصة من الإنتاج للسوق الداخلية.
ومن أكثر الوعود التي ستستقطب اهتمام الأسر، تعهد الحزب بجعل فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهرياً مجانية، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم.
وهنا ينتقل البرنامج من الحديث العام عن تحسين القدرة الشرائية إلى اقتراح إجراءات مالية واجتماعية محددة، ستضع الحزب، في حال مشاركته في الحكومة المقبلة، أمام اختبار التنفيذ ومصادر التمويل والاستدامة المالية.
الشباب.. من «الفئة المقلقة» إلى أولوية حكومية
الميثاق الثاني خصصه الحزب للشباب، واضعاً البطالة والانقطاع عن الدراسة وصعوبة الولوج إلى السكن والعمل في قلب تشخيصه.
ويشير البرنامج إلى وجود نحو 2.9 مليون شابة وشاب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، مع بلوغ البطالة في صفوف الفئة العمرية 15–24 سنة حوالي 29.2 في المائة، وفق المعطيات التي استند إليها الحزب. كما يلفت إلى مغادرة نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنوياً دون تأهيل.
ولمواجهة ذلك، يقترح «البام» إطلاق البرنامج الوطني المندمج للشباب 2027–2031 «أفق لكل شاب»، بهدف إدماج وتأهيل نحو مليون شاب وشابة، مع توفير مسار للتوجيه أو التكوين أو الإدماج خلال أجل أقصاه ستة أشهر لكل شاب يغادر المنظومة التعليمية.
كما يقترح الحزب منصة وطنية تحت اسم «مسار إدماج» تستهدف، عند بلوغ طاقتها القصوى، نحو 300 ألف شاب سنوياً من الفئة الموجودة خارج التعليم والتكوين والشغل، إلى جانب برنامج «أول عقد شغل» الذي يستهدف تمكين 500 ألف شاب خلال خمس سنوات من أول تجربة مهنية.
ويصل البرنامج كذلك إلى السكن، من خلال اقتراح توفير نحو 100 ألف حل سكني بين 2027 و2031 لفائدة الشباب، فضلاً عن مواكبة آلاف المقاولات عبر الاحتضان والتمويل والضمان والولوج إلى السوق.
«ميثاق المواطنة».. المدرسة والمستشفى والسكن في قلب العرض الاجتماعي
الميثاق الثالث يحمل عنوان «المواطنة»، وخصص له الحزب حوالي 100 مليار درهم.
ويضع هذا الجزء من البرنامج مجموعة من الملفات الاجتماعية في حزمة واحدة، من بينها الصحة والتعليم والشغل والسكن والرقمنة والأمازيغية.
ومن أبرز الالتزامات تعميم التغطية الصحية بنسبة 100 في المائة، مع إعادة تأهيل المستشفى العمومي بما يضمن، وفق تصور الحزب، جودة أفضل في الولوج إلى العلاج. كما يلتزم الحزب بخلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الولاية المقبلة، وتطوير التشغيل الذاتي في مجال تصدير الخدمات، وإعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية.
وفي مجال السكن، يقترح الحزب مواكبة 500 ألف أسرة لضمان سكن لائق، إلى جانب مواصلة برنامج السكن القروي.
أما في مجال الرقمنة، فيقترح إنشاء 1500 فضاء رقمي مواطناتي بمختلف الجماعات، بما يسمح بمواكبة المواطنين في إنجاز الخدمات الرقمية، مع إطلاق برنامج «IA Maroc» لتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة الدولة الاجتماعية، والعمل على تعزيز السيادة الرقمية عبر تخزين معطيات المغاربة في حوسبة سحابية وطنية سيادية.
الماء والطاقة والغذاء.. «الأمان» يتحول إلى قضية سيادة
اللافت في برنامج الأصالة والمعاصرة أن الأمن لم يعد محصوراً في مفهومه التقليدي، إذ وضع الحزب «ميثاق الأمان» كأولوية رابعة، وربطه مباشرة بالأمن المائي والغذائي والطاقي والعلمي والتكنولوجي.
في المجال الطاقي، يقترح الحزب توفير مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لمدة ثلاثة أشهر، مع الاستفادة من خزانات شركة «سامير» وإلزام مستوردي المحروقات بتوفير قدرات تخزينية خاصة. كما يستهدف رفع مساهمة الطاقات المتجددة في الاستهلاك الكهربائي الوطني إلى 52 في المائة.
وفي ملف الماء، يذهب البرنامج إلى مقاربة أكثر شمولاً، تشمل تسريع بناء السدود الصغرى والتلية، وتثمين مياه الأمطار، وتسريع تحلية مياه البحر، وإمكانية نقل المياه بين الأحواض حيث تثبت الجدوى.
ويقترح الحزب إنجاز نحو 400 منشأة مائية، وبناء ست محطات جديدة لتحلية مياه البحر، بهدف تجاوز قدرة إنتاجية تبلغ 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، إضافة إلى توسيع استعمال تقنيات الري المقتصد للماء على مساحة 350 ألف هكتار.
كما يطرح البرنامج قضية الأمن الغذائي من زاوية إعادة توجيه الاستثمار والدعم الفلاحي نحو حاجيات السوق الداخلية، وحماية الأصناف والبذور والسلالات المحلية، وتقوية البحث العلمي الزراعي لمواجهة آثار التغيرات المناخية.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الأمن الوطني
من أكثر الجوانب الجديدة في العرض الانتخابي لـ«البام» إدراج السيادة العلمية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي ضمن مفهوم الأمن الاستراتيجي.
ويقترح الحزب تكوين 5000 مؤطر في مجال الذكاء الاصطناعي، وإدماج هذا المجال في مستويات التعليم الإعدادي، وتشجيع البحث العلمي الجامعي في الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى إطلاق مشروع لبناء منظومة ذكاء اصطناعي مغربية تهدف إلى حماية البلاد من أشكال جديدة من التبعية الرقمية.
وهذا التحول يعكس محاولة واضحة لإخراج النقاش الانتخابي من الملفات الاجتماعية المباشرة فقط، وربطه بالتحولات الكبرى التي يعرفها الاقتصاد العالمي وبالمنافسة على التكنولوجيا والبيانات والقدرة على إنتاج المعرفة.
350 مليار درهم.. الاختبار الحقيقي للبرنامج
لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه في البرنامج يبقى 350 مليار درهم، وهي الكلفة الإضافية التراكمية التي يقدرها الحزب لتنفيذ التزاماته خلال خمس سنوات.
وتتوزع هذه الكلفة، وفق الوثيقة الرسمية، بين حوالي 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و50 ملياراً لميثاق إدماج الشباب، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 ملياراً لميثاق الأمان، بينما يمثل ميثاق النمو والاستدامة الإطار الاقتصادي الذي يفترض أن يجعل تنفيذ باقي الالتزامات ممكناً.
وهنا يبرز السؤال السياسي والاقتصادي الأكثر أهمية: هل يستطيع الحزب، في حال وصوله إلى قيادة الحكومة، تعبئة الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الالتزامات دون التأثير على التوازنات المالية للدولة؟
«البام» حاول الإجابة مسبقاً عن هذا السؤال بالتأكيد على أن برنامجه ليس مجرد قائمة من الوعود، وإنما يتضمن تقديراً مالياً وآليات للتنفيذ والتتبع. غير أن الحسم في قابلية هذه الأرقام للتنفيذ سيبقى مرتبطاً بمعدلات النمو، ومداخيل الدولة، والإصلاحات الضريبية، وإعادة توجيه النفقات، وقدرة الاقتصاد الوطني على خلق موارد إضافية.
النمو.. الرهان على مغرب أقل تبعية للواردات
الميثاق الخامس، المتعلق بالنمو والاستدامة، يشكل في الواقع الأساس الاقتصادي الذي يراهن عليه الحزب لتمويل باقي الالتزامات.
ويقترح «البام» تطوير سلاسل الإنتاج المستقبلية، وتعزيز التصنيع الوطني، وتقليص الاعتماد على الواردات، ودعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وتسهيل ولوجها إلى الصفقات العمومية وتقليص آجال الأداء.
كما يربط الحزب بين تنظيم كأس العالم 2030 وبين فرصة لإحداث تحول اقتصادي أوسع، مع تطوير اقتصاد الرياضة، ورفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء، وتعزيز اقتصاد المعرفة والخدمات القابلة للتصدير.
برنامج انتخابي يضع «البام» أمام اختبار المصداقية
بهذا البرنامج، يحاول حزب الأصالة والمعاصرة نقل المعركة الانتخابية من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى الأرقام والالتزامات المحددة.
فالحزب لم يكتفِ بالقول إنه يريد تحسين القدرة الشرائية، بل حدد مجانية الكهرباء بالنسبة للفواتير الأقل من 100 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم. ولم يكتفِ بالحديث عن الشباب، بل حدد هدف مليون شاب مستفيد من برامج الإدماج. ولم يكتفِ بالتعهد بخلق فرص الشغل، بل وضع سقفاً يصل إلى مليون منصب صافٍ.
لكن قوة البرنامج ستقاس في النهاية بقدرته على تجاوز اختبار المصداقية؛ إذ إن الناخب المغربي لا يواجه اليوم نقصاً في الوعود بقدر ما يواجه سؤالاً حول مدى قدرة الأحزاب على تنفيذها وتحويلها إلى سياسات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في الأسعار والدخل والصحة والتعليم والشغل والسكن.
ومن هذه الزاوية، فإن شعار «تغيير المسار.. كلمة وحدة» يضع حزب الأصالة والمعاصرة أمام مسؤولية مضاعفة: فهو من جهة يقدم نفسه كقوة قادرة على اقتراح بديل، ومن جهة أخرى كان جزءاً من الأغلبية الحكومية الحالية، ما يجعل الناخب مدعواً إلى مقارنة وعود البرنامج الجديد بما تحقق فعلياً خلال الولاية المنتهية.
ومع اقتراب موعد 23 شتنبر، يبدو أن المنافسة الانتخابية المغربية تتجه تدريجياً نحو مرحلة أكثر وضوحاً: مرحلة البرامج والأرقام والالتزامات. وبعد أن كشف «البام» عن عرضه، سيكون على باقي الأحزاب تقديم بدائلها، فيما ستكون الكلمة الأخيرة للناخب الذي سيقرر ما إذا كان «تغيير المسار» الذي يطرحه الجرار يمثل فعلاً بديلاً مقنعاً، أم مجرد عنوان انتخابي جديد لمعركة سياسية قديمة.






