اقتصاد

رغم التوسعة والاستثمارات.. مطار فاس سايس يفقد بريقه وسط تراجع الجاذبية وهجرة الخطوط الجوية نحو مطارات منافسة

في الوقت الذي تشهد فيه عدة مطارات مغربية دينامية متسارعة على مستوى استقطاب شركات الطيران منخفضة التكلفة وفتح خطوط دولية جديدة استعدادا للاستحقاقات الكبرى التي يعيشها المغرب، وعلى رأسها كأس العالم 2030، يواصل مطار فاس سايس إثارة العديد من علامات الاستفهام بشأن قدرته على مواكبة هذا التحول، رغم ما استفاد منه من مشاريع توسعة وتأهيل، ورغم المكانة التاريخية والسياحية التي تتمتع بها مدينة فاس وجهة فاس–مكناس.

ورغم أن المكتب الوطني للمطارات شرع في مشروع استراتيجي يهدف إلى رفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى خمسة ملايين مسافر سنويا عبر إنشاء محطة جديدة وتوسعة المرافق الخارجية، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بتشييد البنيات التحتية، بل بقدرة المطار على استقطاب شركات الطيران والمحافظة على الخطوط الجوية الحالية وفتح أسواق جديدة تعزز جاذبية الجهة.

وتفيد المعطيات الرسمية بأن مطار فاس سايس استقبل خلال سنة 2025 حوالي 1.92 مليون مسافر، مسجلا تراجعا طفيفا مقارنة بسنة 2024، في وقت حققت فيه عدة مطارات مغربية نسب نمو مهمة بفضل استقطاب خطوط وشركات جديدة. كما سجلت الأشهر الأولى من سنة 2026 نموا محدودا في حركة المسافرين، بينما تراجع عدد الحركات الجوية، وهو مؤشر يطرح تساؤلات حول وتيرة تطور المنصة الجوية للجهة مقارنة بمطارات أخرى تعرف دينامية أكبر.

وخلال السنوات الأخيرة، فقد مطار فاس سايس عددا من الخطوط الجوية المباشرة التي كانت تربطه بمدن أوروبية، كما شهد تقليص أو تعليق رحلات نحو بعض الوجهات، بينما اتجهت شركات طيران إلى تعزيز حضورها في مطارات مغربية منافسة مثل مراكش وأكادير وطنجة والرباط، التي أصبحت تستقطب استثمارات جوية أكبر وتحقق نموا متواصلا في عدد الرحلات والمسافرين.

ورغم أن المطار ما يزال يوفر شبكة مهمة من الوجهات الدولية، خصوصا نحو أوروبا، فإن العديد من الفاعلين في القطاع السياحي يعتبرون أن ذلك لا يرقى إلى المؤهلات التي تتوفر عليها جهة فاس–مكناس، والتي تزخر بإرث حضاري وثقافي وديني وبيئي يجعلها مؤهلة لاستقطاب أعداد أكبر من السياح إذا توفرت سياسة جوية أكثر دينامية واستقرارا.

كما أن تغيير المسؤول الأول عن المطار، بعد تعيين مدير جديد قادم من مطار الرباط–سلا، كان يعول عليه لإعطاء نفس جديد لتدبير هذه المنشأة الحيوية، غير أن العديد من المتابعين يرون أن النتائج الميدانية لم تعكس بعد التحول المنتظر، سواء على مستوى استقطاب شركات جديدة أو استرجاع الخطوط التي غادرت، أو التسويق الدولي للوجهة، وهي ملفات أصبحت تفرض نفسها بإلحاح في ظل المنافسة الشرسة بين المطارات المغربية.

ويؤكد مهنيون في قطاع السياحة أن نجاح أي مطار لا يقاس فقط بجمالية بناياته أو حجم استثماراته، وإنما بقدرته على أن يكون قاطرة للتنمية الاقتصادية والسياحية، وجسرا حقيقيا يربط الجهة بالأسواق الدولية. لذلك فإن توسعة الطاقة الاستيعابية إلى خمسة ملايين مسافر ستظل رهانا غير مكتمل إذا لم تواكبها استراتيجية تجارية فعالة لاستقطاب شركات الطيران، والحفاظ على الخطوط القائمة، وإحداث وجهات جديدة تستجيب لانتظارات الجالية المغربية بالخارج والسياح والمستثمرين.

وتطرح هيئات مهنية بالجهة منذ سنوات مطلب بلورة رؤية مشتركة بين المكتب الوطني للمطارات، والمجلس الجهوي، والمجالس المنتخبة، والمركز الجهوي للاستثمار، والمكتب الوطني المغربي للسياحة، بهدف الترويج لفاس كوجهة سياحية وثقافية، وربط ذلك بسياسة جوية أكثر تنافسية، تقوم على التفاوض مع شركات الطيران لتوفير خطوط مستقرة ومستدامة بدل الاكتفاء بحلول ظرفية أو موسمية.

واليوم، ومع اقتراب مواعيد دولية كبرى يعيشها المغرب، تزداد الحاجة إلى إعادة تقييم وضعية مطار فاس سايس، ليس فقط من زاوية أرقام المسافرين، وإنما من زاوية دوره الحقيقي في خدمة التنمية الجهوية. فجهة فاس–مكناس، بما تزخر به من مؤهلات سياحية وجامعية وصناعية، تحتاج إلى منصة جوية قوية قادرة على استقطاب المستثمرين والزوار، وتحويل المطار إلى رافعة اقتصادية حقيقية، بدل أن يبقى في نظر عدد من الفاعلين أقل حضورا من الإمكانات التي تتوفر عليها الجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى