اقتصاد

رغم حديث الحكومة عن النمو.. عجز الميزانية يقفز إلى 30 مليار درهم ويثير تساؤلات حول حقيقة الوضع الاقتصادي

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الحديث عن مؤشرات النمو الاقتصادي وتحسن الأداء المالي للمملكة، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية معطيات مغايرة تثير العديد من علامات الاستفهام حول الوضع الحقيقي للمالية العمومية وقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل مؤشرات النمو المعلنة إلى نتائج ملموسة على مستوى التوازنات المالية.

فقد أظهرت وضعية تحملات وموارد الخزينة عند متم شهر ماي 2026 تسجيل عجز في الميزانية بلغ 30.1 مليار درهم، مقابل 26.7 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، أي بارتفاع يناهز 3.4 مليارات درهم، في وقت كانت فيه التوقعات تراهن على تحسن المؤشرات المالية بفعل الموسم الفلاحي الجيد وتحسن التساقطات المطرية وعودة عدد من القطاعات الاقتصادية إلى النشاط.

وتكشف هذه الأرقام أن النفقات العمومية واصلت الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو المداخيل، حيث ارتفعت المصاريف بحوالي 16.6 مليار درهم، مقابل زيادة في الموارد لم تتجاوز 13.3 مليار درهم، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة العجز رغم التحسن النسبي في المداخيل الجبائية.

أرقام تطرح أكثر من سؤال

ويأتي هذا التطور في وقت ظلت فيه الحكومة تؤكد في مناسبات متعددة أن الاقتصاد الوطني دخل مرحلة التعافي، مستفيدا من تحسن الموسم الفلاحي وتراجع حدة الجفاف وارتفاع الاستثمارات العمومية والأجنبية.

غير أن معطيات الخزينة العامة تكشف أن هذه الدينامية لم تنعكس بالشكل الكافي على التوازنات المالية، بل إن العجز واصل الارتفاع، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة بشكل يسمح بتغطية النفقات المتزايدة للدولة دون اللجوء المتكرر إلى الاستدانة.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن النمو الذي تتحدث عنه الحكومة ما يزال يعتمد بشكل كبير على عوامل ظرفية، من بينها انتعاش القطاع الفلاحي وتحسن التساقطات المطرية، في حين لا تزال قطاعات واسعة من الاقتصاد تواجه تحديات مرتبطة بضعف الاستهلاك الداخلي وتراجع القدرة الشرائية للأسر وارتفاع تكاليف الإنتاج.

القروض وفوائد الدين تواصل الضغط

ومن بين المؤشرات التي تستوقف الخبراء، الارتفاع المتواصل لفوائد الدين العمومي، التي زادت بحوالي ملياري درهم مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، لتواصل بذلك استنزاف جزء مهم من موارد الدولة.

ويعتبر اقتصاديون أن ارتفاع كلفة خدمة الدين يعكس استمرار اعتماد المالية العمومية على الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل المشاريع الكبرى وسد حاجيات الميزانية، وهو ما يجعل جزءاً متزايداً من الموارد العمومية يوجه نحو أداء فوائد الديون بدل توجيهه إلى الاستثمار المنتج أو القطاعات الاجتماعية.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نفقات السلع والخدمات ارتفعت بدورها بأكثر من 16 مليار درهم، بينما ظلت نفقات المقاصة في حدود 9.1 مليارات درهم، الأمر الذي ساهم في اتساع العجز المالي خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية.

موسم فلاحي جيد.. لكن دون أثر مالي واضح

وتزداد أهمية هذه الأرقام بالنظر إلى أن سنة 2026 تميزت بتحسن ملحوظ في التساقطات المطرية مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما انعكس إيجابا على الموسم الفلاحي الذي وصفه عدد من المهنيين بالمشجع.

وكان من المنتظر أن يساهم هذا التحسن في تعزيز النشاط الاقتصادي ورفع مستوى الاستهلاك الداخلي وتحسين المداخيل الضريبية بشكل أكبر، غير أن الأرقام المسجلة توحي بأن الأثر الإيجابي للموسم الفلاحي لم يكن كافيا لتعويض الاختلالات البنيوية التي ما تزال تواجه الاقتصاد الوطني.

ويرى محللون أن الاقتصاد المغربي ما زال في حاجة إلى إصلاحات أعمق لتحفيز الطلب الداخلي وخلق مناصب شغل مستدامة ورفع القدرة الشرائية للأسر، حتى تتحول نسب النمو المعلنة إلى دينامية اقتصادية حقيقية تنعكس على مختلف المؤشرات المالية والاجتماعية.

الاستثمار يرتفع والعجز يتفاقم

في المقابل، ارتفعت نفقات الاستثمار العمومي بنسبة 17 في المائة لتصل إلى 51.1 مليار درهم، وهو مؤشر يعكس استمرار الدولة في ضخ اعتمادات مالية مهمة لإنجاز المشاريع والبنيات التحتية.

غير أن هذا الجهد الاستثماري، رغم أهميته، لم يمنع من تسجيل عجز متزايد في الميزانية، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العمومية بين ضرورة تمويل المشاريع التنموية والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية.

كما انتقل الرصيد العادي للخزينة من فائض بلغ 4.3 مليارات درهم خلال السنة الماضية إلى عجز يناهز 679 مليون درهم هذه السنة، وهو تحول يعكس تراجع هامش الراحة المالية الذي كانت تتوفر عليه الخزينة خلال الفترة نفسها من العام المنصرم.

بين الخطاب الرسمي والواقع المالي

وتعيد هذه الأرقام النقاش حول الفجوة بين الخطاب الحكومي الذي يركز على مؤشرات النمو وجذب الاستثمارات وتحسن الآفاق الاقتصادية، وبين الواقع المالي الذي يكشف استمرار الضغوط على الميزانية وارتفاع العجز وتزايد كلفة المديونية.

فإذا كانت الحكومة تعتبر أن الاقتصاد الوطني يسير في الاتجاه الصحيح، فإن المؤشرات المرتبطة بالعجز العمومي وخدمة الدين والقدرة على تمويل النفقات من الموارد الذاتية تبرز أن الطريق ما يزال طويلاً أمام تحقيق توازن مالي مستدام.

ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو الحكومة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم إجابات واضحة حول كيفية تحويل مؤشرات النمو المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، سواء على مستوى التشغيل أو القدرة الشرائية أو تحسين أوضاع المالية العمومية، حتى لا تبقى الأرقام الإيجابية حبيسة التقارير الرسمية، في حين تستمر مؤشرات العجز والاقتراض في تسجيل مستويات مقلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى