وهبي وزير العدل يفحم الإسبان.. سبتة ومليلية تعودان إلى واجهة التوتر بين الرباط ومدريد

فاس – متابعة
عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية، في ظرفية تتسم بتصاعد التوتر حول الهجرة، عقب الموجة الكبيرة من العبور الجماعي التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز، وما رافقها من تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية، لتأتي تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي لتفتح، بشكل مباشر وغير مسبوق منذ سنوات، نقاشاً حول أصل الإشكال المرتبط بوضع المدينتين ومستقبلهما.
وهبي، في تصريحات صحافية، لم يكتف بانتقاد تدبير إسبانيا لملف الهجرة، بل أعاد التأكيد على الموقف المغربي القائم منذ الاستقلال، والقاضي باعتبار سبتة ومليلية مدينتين محتلتين، وأن مسألة وضعهما تظل، من منظور الرباط، ملفاً سياسياً ينبغي أن يجد طريقه إلى التسوية عبر الحوار والتفاوض.
وبالتوازي مع ذلك، صعّد وزير العدل لهجته بشأن التعاون القضائي، معلناً أن المغرب يدرس تعليق تطبيق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، بسبب ما اعتبره اختلالات في تنفيذ إجراءات التسليم. كما جدد المطالبة بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة وإسبانيا، خصوصاً في ظل اقتراب الدخول المدرسي.
هذه التصريحات وضعت مدريد أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ لم يعد النقاش مقتصراً على تدبير الهجرة أو حماية الحدود، وإنما انتقل إلى ملفات قضائية وإنسانية وسياسية ترتبط مباشرة بالعلاقات الثنائية.
واللافت أن الموقف المغربي جاء في وقت كانت فيه الرباط تواصل، في المقابل، تعزيز الإجراءات الأمنية على حدودها الشمالية لمنع أي محاولة جديدة للعبور الجماعي نحو سبتة، بعد تداول دعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولة جديدة يوم 15 غشت.
وأعلنت السلطات المغربية تشديد المراقبة الأمنية في المناطق الحدودية، مع التحذير من المخاطر التي قد تترتب عن الاستجابة لهذه الدعوات، ومن بينها تعريض حياة الأشخاص للخطر، مؤكدة أيضاً أن منظمي هذه التحركات والمشاركين فيها قد يواجهون المتابعة القانونية.
وبذلك، تبدو الرباط أمام خيار مزدوج: تشديد التعاون الأمني لمنع تدفقات الهجرة وحماية الأرواح، وفي الوقت نفسه الدفاع عن مصالحها ومواقفها السياسية والقانونية في الملفات العالقة مع مدريد.
وفي المقابل، أظهرت التصريحات الإسبانية خلال الساعات الأخيرة ارتفاعاً واضحاً في مستوى الرد السياسي. فقد سارعت الحكومة الإسبانية إلى التأكيد أن وضع سبتة ومليلية غير قابل للتفاوض، بينما انتقلت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس إلى سبتة، حيث شددت على أن المدينتين جزء من إسبانيا، ووصفت سبتة ومليلية بأنهما “إسبانيتان جداً”، مؤكدة أن أي اعتداء عليهما سيُعتبر اعتداءً على إسبانيا ككل.
كما أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية أن سلامة الأراضي الإسبانية “لم تكن ولن تكون” موضوعاً للتفاوض، في رد مباشر على إعادة وهبي قضية السيادة على المدينتين إلى الواجهة.
وهنا تكمن دلالة التحول الجديد: فتصريح واحد لوزير مغربي أعاد مدريد إلى مربع الدفاع السياسي عن سبتة ومليلية، بعدما كانت الأولوية الإسبانية خلال الأسابيع الماضية منصبة أساساً على تداعيات أزمة الهجرة والعبور الجماعي.
وتكتسب تصريحات وهبي أهمية إضافية بالنظر إلى أن الأزمة الأخيرة كشفت مدى ارتباط أمن سبتة ومليلية بالتعاون المغربي. فإسبانيا نفسها أقرت بأهمية التعاون المغربي في التعامل مع تدفقات الهجرة وإعادة المهاجرين، بينما واصلت الرباط التأكيد على ضرورة وجود قواعد واضحة ومتوازنة تحكم التعاون بين البلدين.
كما أن أزمة أواخر يوليوز كانت استثنائية من حيث حجمها؛ إذ قدرت رويترز عدد الأشخاص الذين عبروا إلى سبتة خلال الأزمة بنحو 72 ألفاً، مع تسجيل عشرات الوفيات والمفقودين، وهو ما جعل الملف يتحول من مجرد قضية هجرة إلى أزمة سياسية وأمنية وإنسانية واسعة.
ومن هذه الزاوية، فإن إعادة وهبي لملف سبتة ومليلية إلى النقاش ليست مجرد خرجة مرتبطة بظرف عابر، بل تحمل رسالة سياسية مفادها أن التعاون المغربي الإسباني لا يمكن أن يكون محصوراً في الهجرة والأمن، بينما تظل الملفات التاريخية والسياسية العالقة خارج أي نقاش.
المغرب، في المقابل، لا يبدو راغباً في تحويل الأزمة إلى مواجهة مفتوحة. فالإجراءات الأمنية المشددة على الحدود، والتحذيرات من محاولات العبور الجماعي، والتعاون في الحد من الهجرة، تؤكد أن الرباط تواصل التعامل مع الملف بمنطق أمني ودبلوماسي متوازٍ.
لكن الرسالة السياسية التي حملتها تصريحات وزير العدل كانت واضحة: التعاون الأمني لا يعني التخلي عن الملفات السيادية، والتنسيق في مواجهة الهجرة لا يلغي استمرار المغرب في المطالبة بتسوية وضع سبتة ومليلية عبر الحوار.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التحرك الإسباني المتسارع، من تصريحات الحكومة إلى انتقال وزيرة الدفاع إلى سبتة، باعتباره محاولة لاحتواء تداعيات النقاش الجديد وإرسال رسالة داخلية وخارجية بأن مدريد لن تقبل فتح ملف السيادة في الظروف الحالية.
غير أن المفارقة تكمن في أن المغرب لم يحتج إلى تحرك حكومي واسع لإعادة القضية إلى الواجهة؛ فقد كانت تصريحات وزير العدل كافية لإجبار المسؤولين الإسبان على توضيح مواقفهم تباعاً.
وبينما اختارت مدريد رفع سقف الخطاب السياسي والتأكيد على “إسبانية” المدينتين، تواصل الرباط الاشتغال على أكثر من واجهة: أمن الحدود، مكافحة الهجرة غير النظامية، المطالبة بإعادة القاصرين المغاربة، مراجعة التعاون القضائي، ثم إعادة طرح ملف سبتة ومليلية باعتباره قضية سياسية مؤجلة.
وفي المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن ملف المدينتين لم يُغلق، مهما حاولت مدريد إخراجه من أجندة النقاش. فالمغرب يعتبر أن قضية سبتة ومليلية جزء من الملفات التاريخية التي تحتاج، عاجلاً أو آجلاً، إلى معالجة سياسية عبر الحوار، فيما تصر إسبانيا على أن سيادتها عليهما غير قابلة للنقاش.
وبين الموقفين، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الاختبار للعلاقات المغربية الإسبانية، خصوصاً مع اقتراب 15 غشت، الموعد الذي حُذّر من الدعوات المتداولة بشأنه لمحاولة عبور جماعي جديدة نحو سبتة.
وإذا كان الأمن والتعاون في مجال الهجرة يشكلان اليوم نقطة التقاء ضرورية بين الرباط ومدريد، فإن تصريحات وهبي أظهرت في المقابل أن المغرب يريد أن يقول بوضوح إن هذا التعاون لا يعني تجميد الملفات السياسية الكبرى.
فالمغرب يواصل العمل بهدوء على الأرض، بينما وجد الجانب الإسباني نفسه مضطراً إلى الرد سياسياً وأمنياً وإعلامياً على قضية كان يفضل إبقاءها خارج جدول الأعمال.
وهكذا، أعادت خرجة وزير العدل عبد اللطيف وهبي سبتة ومليلية إلى قلب المشهد المغربي الإسباني، وفرضت على مدريد إعادة إعلان موقفها من المدينتين، في وقت تواصل فيه الرباط تأكيد أن الحل النهائي للملف لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، وإنما يظل، في نظرها، قضية سياسية تحتاج إلى تفاوض وحوار من أجل إنهاء وضع تعتبره احتلالاً وإعادة المدينتين إلى المغرب.






