بلاغ الأحرار… محاولات يائسة لتجميل الفشل الحكومي

في سياق يطغى عليه تدهور معيشي واضح واحتقان اجتماعي متصاعد، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يعقد اجتماعه السياسي الأخير وكأنه يعيش في بلد آخر، غير ذاك الذي يئن تحت وطأة الغلاء والبطالة وتردي الخدمات. بلاغه الأخير، الصادر عقب اجتماع مكتبه السياسي بالرباط، بدا كأنه حملة دعائية داخلية أكثر منه قراءة جادة في واقع البلاد وتحدياتها.
لم يجد حزب الأحرار في ذكرى عيد العرش سوى فرصة للارتماء مرة أخرى في ظلال المؤسسة الملكية، محاولًا استثمار رصيد الثقة المرتبط بالملك محمد السادس لتغطية إخفاقاته السياسية والاجتماعية. فكل المكاسب التي يفخر بها الحزب في ملف الصحراء أو العلاقات الدولية، ليست من صنيعه، بل جاءت حصريًا نتيجة الدبلوماسية الملكية المباشرة، وتوجيهات العاهل المغربي في القضايا الاستراتيجية، فيما الحكومة بقيادة “الأحرار” لم تكن سوى متفرج على مسرح الأحداث.
يروج الحزب لأرقام اقتصادية تبدو على الورق وكأن المغرب يعيش حالة تعافٍ اقتصادي نادر، يتحدث عن نمو بـ4.8% وتضخم تحت 1%، لكنه يغفل عن الواقع الذي تسحق فيه القدرة الشرائية، وتُفرغ فيه الموائد من محتواها، حيث لا يشعر المواطن بأي أثر لهذه المؤشرات في حياته اليومية. أما الناتج الداخلي الخام ومديونية الدولة، فهي أرقام لا تهم بائع الخبز، ولا عمال المقاهي، ولا المتقاعدين الذين يُسحقون تحت ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
أشاد حزب الأحرار بتنزيل “ورش الدولة الاجتماعية”، متناسياً أن هذه الأوراش هي مبادرات ملكية خالصة، تم إطلاقها وتوجيهها وتتبعها من طرف جلالة الملك شخصياً، وليس من بنات أفكار حكومة عاجزة عن تدبير الأوضاع داخل المستشفيات والمدارس والأسواق. يحاول الحزب هنا أن يصادر إنجازات المؤسسة الملكية، ليُغلف بها فشله في تفعيل مشاريع ميدانية ملموسة تحسن حياة المواطنين.
يقدّم الحزب نفسه كمساهم في إصلاح العدالة عبر تبنيه لقوانين جديدة، منها القانون الجنائي وقانون المسطرة المدنية، بينما يعلم الجميع أن هذه القوانين كانت حبيسة الرفوف لسنوات، ولم تتحرك إلا تحت الضغط الملكي والإعلامي والمجتمعي. أما الحديث عن العقوبات البديلة، فهو محاولة لصنع وهم “العدالة الإنسانية” في بلد لم تستطع حكومته بعد تأمين كرامة المعتقلين داخل السجون أو تسريع قضايا المواطنين في المحاكم.
يراهن الأحرار على ما يسمّى “مسار الإنجازات” كآلية للتواصل مع المواطنين. لكن الحقيقة أن هذه الجولات ليست سوى حملة انتخابية مبكرة وتعتمد على الولائم ، تُستغل لتصوير قيادات الحزب في مشاهد “الاستماع والإنصات”، بينما الواقع يكشف أن صوت المواطن لا يُسمع إلا في صناديق الاقتراع، هذا إن لم تُقمع احتجاجاته في الشارع قبل أن تصل أصلاً للمنصة الحزبية.
والأغرب أن الحزب في بلاغه الطويل العريض تجاهل كلياً موجات الغضب الشعبي التي تشهدها مختلف جهات المملكة. لا أثر يُذكر لـمسيرة قرية “إمزيلن – بوكماز” التي قطع فيها المواطنون أكثر من 120 كيلومترًا سيرًا على الأقدام نحو مدينة أزيلال، فقط للمطالبة بأبسط الحقوق: مركز صحي وطريق وماء. ولا إشارة لاحتجاجات “الدواب” و”البراميل”، التي أصبحت رمزاً مأساوياً لمغاربة الهامش الباحثين عن قطرات من الماء الشروب في قرى تُركت تواجه العطش وحدها.
إنه بلاغ احتفالي في زمن الغضب، وسردية إنجاز في بلد تتحدث فيه الأقدام المحمومة، والأبقار العطشى، أكثر مما تفعل الكلمات الرنانة.
بلاغ حزب الأحرار الأخير يُظهر مرة أخرى انفصاله عن الواقع. محاولة لتلميع صورة حكومة تراجعت شعبيتها، وواجهت موجات استياء واسعة من مختلف الفئات، من الأساتذة والممرضين إلى الطلبة والمتقاعدين، ومرورًا بالفلاحين الذين يُعانون في صمت وسط أزمات المياه والأسعار والاحتكار.
في مقابل ذلك، يستمر الملك محمد السادس، بصبر ودقة، في قيادة مشاريع استراتيجية كبرى، بينما يكتفي حزب الأحرار بتوزيع البلاغات ومغازلة الإنجازات التي لا يُنتجها.






