استثمار سياحي بلا بوصلة… هل يخطئ المركز الجهوي للاستثمار بجهة فاس-مكناس العنوان؟

أطلق المركز الجهوي للاستثمار فاس مكناس طلب عروض لإنجاز 11 مشروعاً سياحياً موزعة على عدد من أقاليم الجهة، في خطوة قُدمت على أنها رافعة لتعزيز الجاذبية الترابية وخلق فرص الشغل. غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذا البرنامج تكشف، بعيداً عن الخطاب الرسمي، عن اختلالات عميقة في الرؤية، بل وعن غياب تصور استثماري متكامل قادر على تحقيق إقلاع سياحي حقيقي ومستدام.
معايير تقنية… ورؤية غائبة
بحسب المعطيات المتداولة، يرتكز البرنامج على استغلال العقار العمومي، وتوجيه المشاريع نحو إحداث وحدات إيواء سياحي (فنادق، نوادي، دور ضيافة)، ومرافق ترفيهية ورياضية، مع توزيعها جغرافياً على أقاليم مثل بولمان، تاونات، تازة والحاجب. غير أن هذه المقاربة، رغم طابعها التقني، تفتقد إلى عنصر جوهري: الربط بين المشروع والمجال الحقيقي الذي يملك الجاذبية الطبيعية والسياحية.
فالمجلس لم يقدم، إلى حدود الساعة، تصوراً واضحاً حول نوعية الطلب السياحي المستهدف، ولا حول كيفية تثمين المؤهلات المحلية الفعلية، مكتفياً بمنطق توزيع المشاريع بدل تركيزها في نقاط قوة حقيقية قادرة على تحقيق إشعاع اقتصادي.
إقصاء غير مفهوم لمناطق واعدة
الأخطر من ذلك، هو إقصاء مناطق تُعد من بين الأكثر جذباً للزوار على مدار السنة، والتي كان من المفترض أن تشكل العمود الفقري لأي استراتيجية سياحية جادة. وعلى رأس هذه المناطق تبرز عين الحمراء بجماعة أجدير إقليم تازة، التي تُعرف بخصائصها العلاجية ومياهها المعدنية، وتستقطب زواراً من مختلف مناطق المغرب، في غياب تام لأي استثمار حقيقي يؤهلها لتكون قطباً للسياحة الاستشفائية.
كما لا يمكن إغفال الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها حامة بولمان، والتي تمتلك مؤهلات طبيعية وعلاجية تجعلها مؤهلة لتكون وجهة وطنية على غرار مولاي يعقوب، الذي تحول إلى قطب حقيقي للسياحة الحرارية بفضل استثمارات مهيكلة ورؤية واضحة.
فكيف يُعقل أن يتم تجاهل هذه الكنوز الطبيعية، مقابل التوجه نحو مشاريع تقليدية في مناطق تفتقر أصلاً إلى دينامية سياحية؟ وأي منطق استثماري هذا الذي يُقصي مواقع جاهزة للإقلاع، ويُصر على “اختراع” وجهات من الصفر دون ضمانات نجاح؟
سياحة الجبل… الغائب الأكبر
إلى جانب السياحة العلاجية، تعاني السياحة الجبلية بدورها من تهميش غير مبرر، رغم أن جهة فاس-مكناس تزخر بسلاسل جبلية خلابة ومؤهلات بيئية فريدة. غير أن البرنامج الحالي لا يعكس أي وعي حقيقي بهذا الرأسمال الطبيعي، بل يكتفي بمشاريع نمطية لا ترقى إلى مستوى تطلعات السياحة الإيكولوجية الحديثة.
مشاريع على الورق… ومخاوف من الفشل
إن غياب رؤية واضحة، وإقصاء مواقع استراتيجية، واعتماد مقاربة تقنية جافة، كلها مؤشرات تنذر بأن هذه المشاريع قد تتحول إلى مجرد بنايات إسمنتية تفتقد للروح، وربما إلى مشاريع فاشلة تستهلك المال العام دون تحقيق الأثر المنشود.
فالاستثمار السياحي ليس مجرد بناء فنادق أو مرافق، بل هو هندسة متكاملة تقوم على فهم عميق لحاجيات السوق، واستثمار ذكي في نقاط القوة، وربط المشاريع بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
مسؤولية وتقصير… ومن يدفع الثمن؟
الانتقادات تتجه اليوم بشكل مباشر إلى القائمين على المركز الجهوي للاستثمار فاس مكناس، حيث يرى متتبعون أن المسؤول عن هذه المؤسسة يفتقد إلى رؤية استثمارية حقيقية قادرة على تحويل الجهة إلى قطب سياحي تنافسي، مكتفياً بمقاربات إدارية لا تنتج سوى مشاريع بلا أثر.
وفي ظل هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بتوقيف هذا البرنامج مؤقتاً، وإعادة النظر فيه بشكل جذري، عبر إشراك الفاعلين المحليين، والخبراء، والمجتمع المدني، من أجل صياغة استراتيجية واقعية تنطلق من خصوصيات المجال، لا من حسابات تقنية ضيقة.
إعادة التوجيه قبل فوات الأوان
إن جهة بحجم فاس مكناس لا يمكن أن تُختزل في مشاريع معزولة تفتقر للانسجام، بل تحتاج إلى رؤية شمولية تُعيد الاعتبار للمناطق المهمشة، وتستثمر في مؤهلاتها الحقيقية، وعلى رأسها السياحة العلاجية والجبلية.
فالرهان اليوم ليس فقط إنجاز مشاريع، بل إنجاز مشاريع ناجحة. وبين هذا وذاك، يكمن الفارق بين تنمية حقيقية، ومجرد أرقام تُضاف إلى تقارير رسمية لا تعكس الواقع.
وإذا لم يتم تصحيح المسار سريعاً، فإن هذه المشاريع قد تتحول إلى عنوان جديد لهدر الفرص… بدل أن تكون قاطرة للإقلاع السياحي المنشود.
والي الجهة أمام اختبار الحسم… إما تصحيح المسار أو تكريس فشل استثماري جديد
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، تتجه الأنظار إلى والي جهة فاس مكناس، باعتباره المسؤول الترابي الذي راكم تجربة دقيقة بخبايا الجهة وتوازناتها. فاليوم، لم يعد مقبولاً ترك هذا الورش الاستثماري يسير بمنطق إداري ضيق يفتقد إلى رؤية اقتصادية وتجارية واضحة. إن المرحلة تفرض تدخلاً حازماً لإعادة تقييم هذه المشاريع التي أطلقها المركز الجهوي للاستثمار فاس مكناس، خاصة في ظل اختلالات بنيوية يعاني منها القطاع السياحي بالجهة، من ضعف الجاذبية إلى غياب منتوج سياحي مندمج. فإما تصحيح المسار بضخ نفس جديد قائم على الحكامة والنجاعة، أو ترك هذه المشاريع تتحول إلى عبء إضافي يكرس الفشل بدل أن يصنع الإقلاع المنشود.






