فاس بين فوضى الباعة الجائلين وحق الساكنة في الفضاء العام.. هل حان وقت تدخل السلطات لاستعادة النظام؟

عادت ظاهرة احتلال الملك العمومي والانتشار العشوائي للباعة الجائلين لتفرض نفسها بقوة في عدد من أحياء مدينة فاس، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات من الفوضى التي كانت قد تراجعت بشكل ملحوظ عقب حملات تحرير واسعة شهدتها العاصمة العلمية خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت الذي يشتكي فيه سكان أحياء عديدة، من بينها حي واد فاس وأحياء بات تحت السيطرة المطلقة بعدة مناطق، من تزايد مظاهر الاحتلال غير القانوني للأرصفة والأزقة ومداخل الأحياء السكنية، ترتفع أصوات تطالب السلطات المحلية بالتدخل العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها وحماية حق المواطنين في التنقل الآمن والاستفادة من الفضاء العمومي.
ساكنة تحت ضغط يومي
أصبحت شكاوى المواطنين تتكرر بشكل يومي بسبب ما يعتبرونه تمدداً غير مسبوق للباعة الجائلين داخل أحياء سكنية لم تعد قادرة على استيعاب هذا الحجم من الأنشطة غير المنظمة.
وتتحدث شهادات متطابقة لعدد من السكان عن تحول بعض الأزقة والممرات إلى أسواق مفتوحة طيلة ساعات النهار، الأمر الذي يتسبب في اختناق مروري دائم ويعرقل حركة الراجلين، خاصة كبار السن والأطفال والمرضى والأشخاص في وضعية إعاقة.
كما تؤكد الساكنة أن مداخل بعض الأحياء أصبحت تشهد اكتظاظاً متزايداً، ما يؤثر سلباً على جودة الحياة ويطرح تساؤلات حقيقية حول مدى احترام حق المواطنين في الولوج إلى مساكنهم والتنقل داخل محيطهم الحضري في ظروف عادية.
استرجاع الملك العمومي.. تجربة سابقة أعطت نتائج
ويتذكر العديد من الفاعلين المحليين المرحلة التي شهدت خلالها مدينة فاس عمليات واسعة لتحرير الملك العمومي خلال ولاية الوالي السابق سعيد أزينبر، وهي العمليات التي لقيت آنذاك استحساناً كبيراً من طرف الساكنة والتجار النظاميين على حد سواءنلكن مع قدوم الوالي المطاح به بسبب ذبح خروف العيد عاد الأفة الى الإنتشار يشكل واسع و باتت الشوارع و ساحات المساجد و مداخل الأحياء تحت سيطرة الباعة الجائلين و الفراشة.
وقد ساهمت تلك الحملات في إعادة فتح عدد من الشوارع والأرصفة والممرات العمومية، كما مكنت من تحسين جمالية الفضاء الحضري وتخفيف الضغط على عدد من المحاور الحيوية داخل المدينة.
غير أن المتتبعين للشأن المحلي يسجلون اليوم عودة تدريجية لعدد من المظاهر التي كانت موضوع تدخلات سابقة، الأمر الذي يثير مخاوف من ضياع المكتسبات التي تحققت في مجال تنظيم الفضاء العام.
معاناة التجار النظاميين
ولا تقتصر تداعيات الظاهرة على الساكنة فقط، بل تمتد أيضاً إلى التجار والحرفيين الذين يؤدون الضرائب والرسوم القانونية ويتحملون أعباء الكراء والتسيير والتصاريح الإدارية.
فعدد من المهنيين يرون أن المنافسة غير المنظمة تضر بمصالحهم الاقتصادية وتؤثر على نشاطهم التجاري، خصوصاً في ظل الظرفية الاقتصادية الصعبة التي تعرفها مختلف القطاعات.
ويؤكد هؤلاء أن معالجة الملف يجب أن تتم في إطار رؤية شاملة توازن بين البعد الاجتماعي المرتبط بالباعة الجائلين وضرورة احترام القانون وحماية الحقوق الاقتصادية للتجار المهيكلين.
مداخل الأحياء تحت الضغط
من بين أكثر النقاط التي تثير استياء الساكنة اليوم تحول بعض مداخل الأحياء إلى نقاط ازدحام دائمة بفعل التمركز العشوائي للباعة والعربات، وهو ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى عرقلة حركة السير والجولان وصعوبة ولوج سيارات الإسعاف أو الوقاية المدنية عند الضرورة.
وتحذر فعاليات مدنية من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان، خاصة مع تزايد عدد الشكايات المرتبطة بالنظافة والضجيج والسلامة المرورية.
بين المقاربة الاجتماعية وفرض القانون
ويجمع عدد من المتابعين على أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تتم فقط من خلال المقاربة الزجرية، كما لا يمكن في المقابل ترك الوضع يتفاقم على حساب حقوق الساكنة.
فالحل يقتضي اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على توفير فضاءات بديلة ومنظمة للباعة الجائلين، مع التطبيق الصارم للقانون على كل أشكال الاحتلال غير المشروع للملك العمومي التي تمس بحقوق المواطنين.
كما أن نجاح أي تدخل مستقبلي يظل رهيناً بتنسيق محكم بين السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح الأمنية ومختلف المتدخلين من أجل ضمان استدامة الحلول وعدم عودة الفوضى بعد كل حملة تنظيمية.
نداء إلى السلطات
أمام تزايد شكاوى الساكنة وتنامي مظاهر الفوضى في بعض الأحياء، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل ميداني عاجل من طرف السلطات المختصة للوقوف على حقيقة الوضع والاستماع إلى مطالب المواطنين والفاعلين المحليين.
فمدينة بحجم فاس، بما تمثله من قيمة تاريخية وحضارية وسياحية، تحتاج إلى فضاءات عمومية منظمة تحفظ كرامة الساكنة وتحترم القانون وتضمن في الوقت نفسه حلولاً اجتماعية واقتصادية للفئات الهشة.
إن الحفاظ على النظام داخل الأحياء السكنية ليس ترفاً إدارياً، بل شرط أساسي لضمان جودة الحياة وتعزيز الثقة في المؤسسات وتحقيق التوازن بين الحق في العمل والحق في العيش الكريم داخل مدينة تستحق فضاءً حضرياً يليق بتاريخها ومكانتها.






