سياسة

عيد العرش.. ملحمة الوفاء بين العرش والشعب ومسيرة وطن يواصل صناعة المستقبل

ليس عيد العرش مجرد مناسبة وطنية عادية في الروزنامة المغربية، بل هو محطة تاريخية متجددة تتجسد فيها أسمى معاني الالتحام بين العرش والشعب، ويستحضر خلالها المغاربة مسيرة دولة عريقة نجحت، رغم التحديات الإقليمية والدولية، في الحفاظ على استقرارها ووحدتها، ومواصلة أوراشها التنموية الكبرى تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

ومع اقتراب الثلاثين من يوليوز من كل سنة، تتحول مختلف المدن والقرى المغربية إلى فضاءات للاحتفال، حيث ترفرف الأعلام الوطنية فوق المؤسسات والإدارات والشوارع والمنازل، وتزداد الحركة التجارية انتعاشا، وتستعد الجماعات الترابية والجمعيات والفعاليات المدنية لتنظيم أنشطة ثقافية وفنية ورياضية واجتماعية تعكس حجم المكانة التي يحتلها هذا العيد في وجدان المغاربة.

ويأتي عيد العرش لسنة 2026 في سياق خاص، يتميز بتسارع الأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030، إلى جانب استمرار تنزيل النموذج التنموي الجديد، وتوسيع مشاريع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقي، وهي رهانات تجعل من هذه المناسبة فرصة لتقييم المنجز واستشراف المستقبل.

كرونولوجيا عيد العرش.. من السلطان محمد الخامس إلى الملك محمد السادس

يرجع الاحتفال بعيد العرش إلى سنة 1933، عندما قرر المغاربة الاحتفاء بذكرى اعتلاء السلطان محمد الخامس العرش، في خطوة تحولت آنذاك إلى رمز للمقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث أصبح الاحتفال مناسبة لتأكيد وحدة الأمة المغربية خلف سلطانها الشرعي.

وخلال سنوات المقاومة، اكتسب عيد العرش بعدا وطنيا وسياسيا عميقا، خصوصا بعد نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، إذ تحول إلى عنوان للصمود والتشبث بالشرعية، قبل أن يعود السلطان إلى أرض الوطن سنة 1955، معلنا بداية مرحلة الاستقلال وبناء الدولة المغربية الحديثة.

ومع اعتلاء المغفور له الملك الحسن الثاني العرش سنة 1961، استمرت هذه المناسبة باعتبارها موعدا سنويا لاستحضار حصيلة الدولة وإعلان التوجهات الكبرى للمملكة.

وفي 30 يوليوز 1999، اعتلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش، ليبدأ المغرب مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح والتحديث والتنمية، حيث أصبحت خطب العرش السنوية خارطة طريق ترسم الأولويات الوطنية، وتوجه مختلف المؤسسات نحو تنزيل المشاريع والإصلاحات.

الملك محمد السادس.. رؤية إصلاحية شاملة

منذ اعتلائه العرش، جعل جلالة الملك محمد السادس من المواطن محور السياسات العمومية، وأطلق سلسلة من الإصلاحات الكبرى التي مست مختلف القطاعات.

فعلى المستوى المؤسساتي، شهد المغرب مراجعات دستورية مهمة توجت بدستور سنة 2011، الذي عزز دولة المؤسسات، ووسع مجال الحقوق والحريات، ورسخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما تم إطلاق مشروع الجهوية المتقدمة، باعتباره أحد أكبر الإصلاحات الترابية في تاريخ المملكة، بهدف تقريب القرار من المواطنين، وتعزيز التنمية المجالية وتحقيق العدالة بين مختلف الجهات.

نهضة اقتصادية غير مسبوقة

شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية كبرى، مكنته من ترسيخ مكانته كأحد أبرز الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا.

فقد تم إنشاء مناطق صناعية حديثة، وتطوير قطاعات السيارات والطيران والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة، وأصبحت المملكة منصة صناعية وتصديرية تستقطب كبريات الشركات العالمية.

كما توسعت شبكة الطرق السيارة بشكل كبير، وربطت مختلف جهات المملكة، وتم إنجاز مشاريع مينائية ضخمة، يتقدمها ميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى واحد من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، فضلا عن تطوير البنيات اللوجستية والسككية.

وشكل إطلاق القطار فائق السرعة “البراق” محطة مفصلية في تحديث قطاع النقل، فيما تتواصل مشاريع توسيع المطارات وتأهيلها استعدادا لاحتضان التظاهرات الرياضية العالمية.

الأمن والاستقرار.. رصيد استراتيجي

في محيط إقليمي يعرف اضطرابات متواصلة، حافظ المغرب على استقراره بفضل رؤية استباقية جعلت الأمن ركيزة أساسية للتنمية.

وتواصل مختلف الأجهزة الأمنية، بتوجيهات ملكية، تحديث وسائل عملها، والاعتماد على التكنولوجيا والرقمنة، وتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.

وأصبح النموذج الأمني المغربي يحظى بتقدير واسع على المستوى الدولي، بالنظر إلى نجاحه في التوفيق بين حماية الأمن واحترام دولة القانون.

الدبلوماسية المغربية.. حضور متصاعد

شهدت السياسة الخارجية المغربية تحولات استراتيجية مهمة خلال عهد الملك محمد السادس.

فقد تمكن المغرب من توسيع شبكة شراكاته الدولية، وتعزيز حضوره داخل القارة الإفريقية، بعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي، وإطلاق مشاريع اقتصادية وتنموية مشتركة مع العديد من الدول الإفريقية.

كما حققت المملكة مكاسب دبلوماسية مهمة في قضية الصحراء المغربية، من خلال تزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وافتتاح عشرات القنصليات بمدينة العيون والداخلة، إلى جانب اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية هذا النزاع الإقليمي.

الثورة الاجتماعية

شكلت الحماية الاجتماعية أحد أكبر الأوراش التي أطلقها جلالة الملك، حيث يعمل المغرب على تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والتعويضات العائلية، وتوسيع التغطية الاجتماعية لفائدة ملايين المواطنين.

كما شهد قطاع الصحة إصلاحات عميقة، من خلال بناء مستشفيات جديدة، وإعادة هيكلة المنظومة الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، إلى جانب الاستثمار في الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.

وفي قطاع التعليم، تتواصل الإصلاحات الرامية إلى تحسين جودة التعلمات، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وتعزيز التكوين المهني وربط التعليم بسوق الشغل.

الأمن المائي.. أولوية المرحلة

أصبحت ندرة المياه من أكبر التحديات التي تواجه المغرب، وهو ما دفع جلالة الملك إلى إعطاء انطلاقة مشاريع استراتيجية غير مسبوقة.

فتم إطلاق برنامج ضخم لبناء السدود، وربط الأحواض المائية، وإنجاز محطات لتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إلى جانب تشجيع الاقتصاد في استهلاك المياه داخل القطاع الفلاحي.

وتعتبر هذه المشاريع اليوم من بين أكبر الاستثمارات العمومية الهادفة إلى ضمان الأمن المائي للمملكة خلال العقود المقبلة.

المغرب الأخضر والطاقات المتجددة

واصل المغرب الاستثمار بقوة في الطاقات النظيفة، وأصبح من الدول الرائدة عالميا في مجال الطاقة الشمسية والريحية.

ويعد مركب نور بورزازات أحد أبرز المشاريع العالمية في هذا المجال، فيما تتوسع مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر وتحلية مياه البحر باستعمال الطاقات المتجددة، بما يعزز الأمن الطاقي ويخفض الانبعاثات الكربونية.

الاستعداد لكأس العالم 2030

يشكل تنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، محطة تاريخية جديدة في مسار المملكة.

وتشهد مختلف المدن المغربية أوراشا كبرى تشمل بناء وتأهيل الملاعب، وتوسيع المطارات، وتطوير شبكات النقل الحضري، وتحسين البنيات الفندقية، وتأهيل الفضاءات العمومية، بما يجعل هذه التظاهرة رافعة اقتصادية وتنموية حقيقية.

كما تواكب الدولة هذه المشاريع بإصلاحات مرتبطة بالرقمنة والاستثمار والخدمات العمومية، بهدف تقديم صورة تعكس المغرب الحديث.

عيد العرش.. أكثر من احتفال

يظل عيد العرش مناسبة لتجديد البيعة والوفاء، لكنه أيضا فرصة لتقييم مسار التنمية واستحضار التحديات التي ما تزال مطروحة.

فرغم المنجزات الكبيرة، يواصل المغرب مواجهة رهانات تتعلق بتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحسين جودة التعليم والصحة، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسريع وتيرة الاستثمار العمومي والخاص.

كما تشكل المرحلة المقبلة فرصة لمواصلة تنزيل المشاريع الملكية الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالأمن المائي، والانتقال الطاقي، والتحول الرقمي، والجهوية المتقدمة، والحماية الاجتماعية، بما يضمن تنمية أكثر شمولا واستدامة.

المغاربة يستعدون للاحتفال

في مختلف ربوع المملكة، تتواصل الاستعدادات لإحياء هذه المناسبة الوطنية الغالية، حيث تعمل الجماعات الترابية على تزيين الساحات والشوارع بالأعلام الوطنية والإنارة الخاصة، بينما تبرمج المؤسسات العمومية والفعاليات المدنية والثقافية أنشطة متنوعة تشمل معارض، وسهرات فنية، ومسابقات رياضية، وندوات فكرية، ومبادرات اجتماعية وتكريمية.

كما تعرف الأسواق والمحلات التجارية انتعاشا ملحوظا مع إقبال الأسر المغربية على اقتناء مستلزمات الاحتفال، فيما يحرص العديد من المواطنين على متابعة الخطاب الملكي الذي يشكل الحدث الأبرز في هذه المناسبة، لما يحمله من توجيهات استراتيجية ورؤية مستقبلية بشأن القضايا الوطنية الكبرى.

محطة لاستشراف المستقبل

لقد تحول عيد العرش، عبر عقود من الزمن، إلى مناسبة وطنية جامعة تجسد استمرارية الدولة المغربية وقوة مؤسساتها، كما يعكس خصوصية النموذج المغربي القائم على التلاحم الوثيق بين العرش والشعب.

وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، يدخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه وهو يراكم منجزات اقتصادية ودبلوماسية وتنموية مهمة، ويواصل تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى تعزز مكانته الإقليمية والقارية والدولية.

ويبقى الرهان الأكبر خلال السنوات المقبلة هو تحويل هذه المشاريع إلى أثر ملموس في الحياة اليومية للمواطن، عبر تحسين الخدمات العمومية، وتوفير فرص الشغل، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع جهات المملكة. وبين استحضار أمجاد الماضي، ومواصلة أوراش الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل، يظل عيد العرش مناسبة وطنية تؤكد متانة العلاقة التاريخية بين العرش والشعب، وتجدد طموح المملكة إلى مواصلة مسيرة الإصلاح والتنمية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بما يعزز مكانة المغرب كدولة مستقرة وطموحة ومنفتحة على المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى