من “خروف العيد” إلى صناديق الاقتراع.. الأحزاب المغربية تدخل مرحلة التسخين الكبرى قبل انتخابات شتنبر 2026

مع انقضاء عطلة عيد الأضحى وعودة الإيقاع الطبيعي للحياة السياسية والإدارية بالمغرب، تبدأ الأحزاب السياسية مرحلة جديدة من الحركية المكثفة استعداداً للاستحقاقات التشريعية والجماعية المقبلة. مرحلة لا تشبه ما قبلها، حيث تتحول الساحات العمومية والمقاهي والأسواق الأسبوعية والدواوير والأحياء الشعبية إلى فضاءات مفتوحة للتواصل السياسي، وتصبح كل صورة مع مواطن بسيط أو شاب عاطل أو امرأة من العالم القروي جزءاً من معركة انتخابية مبكرة عنوانها الأكبر: من سيقنع المغاربة بالذهاب إلى صناديق الاقتراع؟
فالمشهد السياسي المغربي دخل فعلياً مرحلة ما قبل الحملة الانتخابية، حتى وإن كانت المواعيد الرسمية لا تزال بعيدة نسبياً. الأحزاب تتحرك، والقيادات تستعد، والمنتخبون يراجعون حساباتهم، فيما تفتح وزارة الداخلية بشكل استثنائي أبواب التسجيل في اللوائح الانتخابية، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة وإعطاء فرصة جديدة لآلاف المواطنين للانخراط في العملية الديمقراطية.
موسم الترحال السياسي يعود من جديد
كما جرت العادة قبل كل استحقاق انتخابي، بدأت ملامح الترحال السياسي تظهر في الأفق. فعدد من البرلمانيين الحاليين والمنتخبين الذين لم تعد حظوظهم قوية داخل أحزابهم الأصلية، أو الذين اصطدموا بتحولات موازين القوى الداخلية، أصبحوا يترقبون فرصاً جديدة داخل تشكيلات سياسية أخرى.
فالانتخابات لا تحكمها دائماً الاعتبارات الإيديولوجية أو البرامج السياسية، بل كثيراً ما تخضع لحسابات التزكيات والتحالفات المحلية والقدرة على حشد الأصوات. ولذلك ستشهد الأشهر المقبلة انتقال شخصيات معروفة من حزب إلى آخر، بحثاً عن موقع متقدم في اللوائح الانتخابية أو ضماناً لاستمرار الحضور داخل المؤسسات المنتخبة.
وسيحاول هؤلاء تقديم الأمر على أنه “اختيار سياسي جديد” أو “انسجام مع مشروع مجتمعي مختلف”، بينما يدرك المتابعون أن جزءاً كبيراً من هذه التحركات تحكمه الحسابات الانتخابية أكثر مما تحكمه القناعات الفكرية.
الأحزاب تنزل إلى الشارع
خلال الأسابيع المقبلة، ستتكثف زيارات الأمناء العامين والقيادات الحزبية إلى مختلف جهات المملكة. ستكثر اللقاءات التواصلية والندوات والخرجات الإعلامية، وستتحول الصور الملتقطة مع المواطنين إلى مادة يومية على مواقع التواصل الاجتماعي.
سنرى سياسيين يجلسون وسط الأسواق الشعبية، يتناولون البيصارة والباكور والهندية والكرموس مع المواطنين، ويتبادلون الأحاديث مع الحرفيين والتجار والفلاحين. وستظهر صور المصافحة والابتسامات والزيارات الميدانية بشكل مكثف، لأن السياسة في زمن الصورة لم تعد تعتمد فقط على الخطاب، بل أصبحت تقوم أيضاً على صناعة المشهد.
غير أن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المواطن المغربي اليوم هو: هل تكفي الصور وحدها لكسب الثقة؟
فالناخب أصبح أكثر وعياً مما كان عليه في السابق، وأكثر قدرة على التمييز بين السياسي الذي يظهر فقط خلال المواسم الانتخابية، وبين المنتخب الذي ظل حاضراً بين المواطنين طيلة سنوات الولاية.
انتخابات تشبه مباريات كرة القدم
المتتبع للحياة السياسية المغربية يلاحظ أن الانتخابات أصبحت تشبه إلى حد كبير مباريات كرة القدم. الحماس يرتفع تدريجياً، والجماهير تتابع، والمرشحون يدخلون مرحلة الإحماء، والأحزاب تبحث عن أفضل “التشكيلات” لخوض المنافسة.
هناك من يعتقد أن الفوز يتحقق عبر رفع سقف الخطاب والصراخ في المنصات والتجمعات الخطابية، وهناك من يبني حملته على مهاجمة الجميع واتهام الخصوم بالفشل. وفي المقابل، توجد أحزاب وشخصيات اختارت الاشتغال بهدوء، بعيداً عن الضجيج و التراشق، معتمدة على التوسع التنظيمي والعمل الميداني المستمر.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الأكثر ضجيجاً هو الأكثر قدرة على الفوز، لأن صناديق الاقتراع لها منطق مختلف عن منطق مواقع التواصل الاجتماعي أو التجمعات الخطابية.
فكم من سياسي ملأ الساحات صراخاً وخسر يوم الاقتراع، وكم من منتخب اشتغل بصمت وحصد النتائج حين حان موعد الفرز.
بين العزوف والمشاركة.. المعركة الحقيقية
التحدي الأكبر الذي يواجه انتخابات 2026 لا يتعلق فقط بمن سيفوز أو يخسر، بل يرتبط أساساً بنسبة المشاركة السياسية.
فالعزوف الانتخابي ظل خلال السنوات الماضية أحد أبرز الإشكالات التي تؤرق الفاعلين السياسيين والمؤسسات المعنية بتدبير العملية الديمقراطية. شريحة واسعة من المواطنين باتت تنظر إلى السياسة بكثير من الحذر والشك، نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وانتظارات لم تتحقق بالسرعة المطلوبة.
في المقابل، هناك مؤشرات تدفع نحو الاعتقاد بإمكانية ارتفاع نسبة المشاركة، خاصة في ظل النقاش العمومي المتزايد حول القضايا الاجتماعية، وارتفاع منسوب الاهتمام بالشأن العام، واتساع حضور النقاش السياسي داخل الفضاء الرقمي.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الحالية، لأن الأحزاب مطالبة بإقناع المواطنين بأن التصويت ليس مجرد إجراء شكلي، بل وسيلة للتأثير في القرارات والسياسات العمومية.
الميدان هو الحكم الحقيقي
في النهاية، تبقى السياسة لعبة أرقام وصناديق اقتراع، لكن تلك الأرقام لا تُصنع في المقرات الحزبية وحدها، بل تُصنع في الميدان.
من ظل قريباً من المواطنين طوال السنوات الماضية، ومن استمع إلى مشاكلهم وترافع عنها وساهم في إيجاد حلول لها، ستكون حظوظه أكبر. أما الذين يظهرون فقط عند اقتراب موعد الانتخابات، فقد يجدون أنفسهم أمام ناخب أكثر وعياً وأقل قابلية للتأثر بالشعارات الموسمية.
الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت والتحالفات والانشقاقات والتحركات المكثفة. ستكثر الخطابات، وسترتفع حدة السجالات، وستتبادل الأحزاب الاتهامات والوعود. غير أن كل ذلك سيبقى مجرد مقدمات لمعركة الحسم الحقيقية.
فعندما تنتهي الحملات الانتخابية، وتُطوى اللافتات، وتُغلق المنصات الخطابية، ويعم الصمت ليلة الاقتراع، لن يبقى سوى صوت الناخب وصندوق الاقتراع.
هناك فقط، بعيداً عن الضجيج والصراخ والصور والوعود، ستُكتب النتيجة النهائية، وستُقرع طبول النتائج معلنة من نجح في كسب ثقة المغاربة، ومن اكتشف متأخراً أن السياسة ليست موسماً عابراً، بل علاقة يومية ومتواصلة مع المواطن.






