قضايا

تقارير مجالس الحسابات تضع تدبير المال العام بجهة فاس-مكناس تحت المجهر.. اختلالات في اتفاقيات مباشرة تثير أسئلة الحكامة والشفافية

عادت قضايا الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما كشفت معطيات متداولة من تقارير رقابية أنجزتها المجالس الجهوية للحسابات عن تسجيل اختلالات في تدبير عدد من الطلبيات العمومية واتفاقيات الشراكة داخل جماعات ترابية، من بينها جماعات تابعة لجهة فاس-مكناس، في مؤشرات تثير تساؤلات حول مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية في صرف المال العام.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن قضاة المجالس الجهوية للحسابات رصدوا ممارسات تتعلق بإبرام اتفاقيات وتمويلات مباشرة خارج المساطر التي ينظمها مرسوم الصفقات العمومية، وهو ما اعتُبر إخلالاً بمبادئ تكافؤ الفرص والمنافسة التي يفترض أن تؤطر مختلف الطلبيات الممولة من الأموال العمومية.

جهة فاس-مكناس ضمن الجهات التي شملها الافتحاص

وتشير المعطيات إلى أن الافتحاصات همّت عدداً من الجماعات الترابية بجهات مختلفة، من بينها جهة فاس-مكناس، حيث وقفت لجان المراقبة على اختلالات مرتبطة بطريقة إبرام بعض الاتفاقيات، ومدى احترامها للمقتضيات القانونية المؤطرة للصفقات العمومية.

وتبرز هذه الملاحظات أن بعض المشاريع والبرامج تم اللجوء في شأنها إلى اتفاقيات مباشرة مع جمعيات أو هيئات، بدل إخضاعها لمساطر المنافسة المفتوحة عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية، بما يتيح تكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين ويضمن الشفافية في تدبير المال العام.

اتفاقيات مباشرة تثير علامات استفهام

ومن بين أبرز الملاحظات التي تضمنتها التقارير، وفق المعطيات المتداولة، تسجيل استفادة عدد من الجمعيات والمراكز من تمويلات عمومية مباشرة، في حالات لم تكن تستوفي فيها بعض الشروط القانونية المطلوبة، أو جرى فيها اللجوء إلى صيغ تعاقدية اعتبرها قضاة المجالس الجهوية للحسابات غير منسجمة مع فلسفة قانون الصفقات العمومية.

كما أشارت التقارير إلى أن بعض الجماعات اعتمدت آليات قانونية لإشراك أطراف أخرى في الاتفاقيات من أجل استكمال بعض الشروط الشكلية، وهو ما اعتبرته هيئات الافتحاص ممارسة تستوجب مزيداً من التدقيق، بالنظر إلى أن الأصل في تدبير الأموال العمومية هو احترام قواعد المنافسة والشفافية والإعلان المفتوح.

المال العام تحت حماية القانون

وتؤكد المقتضيات القانونية المنظمة للصفقات العمومية أن جميع الطلبيات الممولة من الميزانية العمومية ينبغي أن تخضع لمبادئ الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص، بما يضمن حسن استعمال الموارد المالية ويحد من أي ممارسات قد تفتح الباب أمام الامتيازات غير المبررة أو تضارب المصالح.

وفي هذا الإطار، يشدد خبراء الحكامة على أن اللجوء إلى المنافسة المفتوحة لا يهدف فقط إلى احترام القانون، بل إلى ضمان الحصول على أفضل الخدمات بأفضل تكلفة، وترسيخ ثقة المواطنين في تدبير المؤسسات المنتخبة.

المجتمع المدني شريك… لكن وفق ضوابط واضحة

ولا تعني الملاحظات المسجلة التشكيك في أهمية الشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، التي يكرسها الدستور المغربي باعتبارها رافعة للتنمية المحلية، غير أن هذه الشراكات، وفق المختصين، ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة وشفافة، وأن تخضع لمبادئ الحكامة الجيدة وربط التمويل العمومي بالأهداف والنتائج وآليات التتبع والتقييم.

ويرى متابعون أن غياب معايير دقيقة في بعض الاتفاقيات قد يضعف مردوديتها، ويثير تساؤلات حول كيفية اختيار المستفيدين ومدى تحقيق المشاريع للأثر التنموي المنتظر.

فاس-مكناس أمام رهان تعزيز الحكامة

وبالنسبة لجهة فاس-مكناس، التي تعرف خلال السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع تنموية كبرى في البنيات التحتية، والنقل، والتأهيل الحضري، فإن تعزيز آليات الرقابة والشفافية يظل عاملاً أساسياً لضمان نجاح هذه الأوراش وتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

كما أن المرحلة الحالية، التي تتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تجعل من قضايا الحكامة وتدبير المال العام أحد أبرز الملفات التي تستقطب اهتمام الرأي العام، في ظل تنامي مطالب المواطنين بترشيد النفقات، وضمان المساواة في الولوج إلى الصفقات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الرقابة المالية… ركيزة لترسيخ الثقة

وتؤكد هذه المعطيات مرة أخرى أهمية الدور الذي تضطلع به المجالس الجهوية للحسابات باعتبارها مؤسسة دستورية تسهر على مراقبة تدبير المال العام وتقييم أداء الجماعات الترابية، من خلال رصد الاختلالات واقتراح التوصيات الكفيلة بتحسين الحكامة وتعزيز الشفافية.

ويرى متابعون أن تفعيل هذه التوصيات، والالتزام الصارم بمقتضيات قانون الصفقات العمومية، من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويكرس مبادئ النزاهة والمنافسة الشريفة، بما يضمن توجيه الموارد العمومية نحو مشاريع تنموية تحقق المصلحة العامة وتستجيب لتطلعات الساكنة، خاصة بجهة فاس-مكناس التي تراهن على تنزيل أوراش تنموية كبرى وفق معايير الحكامة الجيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى