اقتصاد

بعد عودة المياه تدريجياً إلى فاس ومكناس.. تدبير محكم للأزمة كشف جاهزية الشركة الجهوية ويبرز مواكبة والي الجهة.. فيما تبقى مسؤولية الأعطاب على عاتق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب

بدأت أزمة التزود بالماء الصالح للشرب بمدينتي فاس ومكناس تتجه نحو الانفراج، بعدما أعلنت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس، اليوم السبت، عن الشروع في إعادة التزويد بالمياه بشكل تدريجي، مباشرة بعد انتهاء المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب من إصلاح العطب الذي أصاب قناة الجر التابعة له، والتي تعد المصدر الرئيسي لتزويد المنظومة المائية بالجهة.

وجاء في بلاغ رسمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس أن عملية التزويد بالماء قد انطلقت تدريجياً عقب انتهاء أشغال الإصلاح، مؤكدة في الوقت ذاته أن العطب والأشغال المرتبطة به تدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بينما يقتصر دور الشركة الجهوية على توزيع المياه على المواطنين بعد التوصل بالكميات المنتجة من طرف المكتب الوطني.

وأكدت الشركة أن فرقها التقنية باشرت مباشرة بعد استئناف التزويد عمليات ملء الخزانات الكبرى وإعادة ضخ المياه بشكل تدريجي نحو مختلف الأحياء، مع التنبيه إلى أن عودة الصبيب إلى مستواه الطبيعي تحتاج إلى بعض الوقت بالنظر إلى حجم الشبكة وعدد الساكنة واتساع المجال الترابي الذي تغطيه.

وتضمن البلاغ كذلك اعتذاراً صريحاً للساكنة عن الإكراهات التي عاشتها خلال الأيام الماضية، مع توجيه الشكر للمواطنين على تفهمهم وصبرهم وتعاونهم في تدبير هذه الظرفية الاستثنائية.

غير أن ما برز بشكل واضح خلال هذه الأزمة، هو قدرة الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس على تدبير مرحلة بالغة التعقيد، بعدما وجدت نفسها أمام وضع استثنائي يتمثل في انقطاع الإنتاج من المصدر، مع استمرار الطلب المرتفع على الماء، وهو ما فرض تعبئة تقنية ولوجستيكية غير مسبوقة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الخدمة.

فمنذ الساعات الأولى للأعطاب المتكررة التي عرفتها قناة الجر التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وضعت الشركة الجهوية مركزاً دائماً للتتبع، مع اعتماد تواصل مستمر مع الساكنة عبر بلاغات رسمية متتالية، أوضحت فيها طبيعة الخلل ومصدره ومراحل الإصلاح، وهو ما ساهم في الحد من انتشار الأخبار غير الدقيقة، وكرس مبدأ التواصل المؤسساتي في تدبير الأزمات.

ورغم أن الخزانات الرئيسية تعرضت لضغط كبير، ووصل بعضها إلى مستويات جد متدنية بسبب توقف الإنتاج، فإن الشركة اعتمدت استراتيجية دقيقة لتوزيع المياه بالتناوب بين الأحياء، وفق برنامج تقني يأخذ بعين الاعتبار الأولويات والكثافة السكانية وضمان استمرارية التزويد بالمرافق الحساسة، وهو ما مكن من تفادي انهيار شامل للشبكة، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمة إلى حين انتهاء الإصلاحات.

وقد أبانت هذه المقاربة عن نجاعة في تدبير أزمة معقدة، خاصة وأن إعادة ملء الخزانات الكبرى ليست عملية آنية، بل تحتاج إلى ساعات طويلة قبل استرجاع الضغط الطبيعي داخل مئات الكيلومترات من قنوات التوزيع، وهو ما يفسر تأخر وصول المياه إلى بعض الأحياء مقارنة بأخرى.

وفي خضم هذه التطورات، برزت أيضاً المتابعة الميدانية والشخصية لوالي جهة فاس–مكناس، عامل عمالة فاس، خالد آيت الطالب، الذي واكب تطورات الوضع بشكل متواصل منذ بداية الأزمة، من خلال اجتماعات تنسيقية واتصالات دائمة مع مختلف المتدخلين، قصد ضمان التدخل السريع وتقليص آثار الانقطاع على المواطنين.

وأفادت المعطيات بأن الوالي حرص على تتبع مختلف مراحل تدبير الأزمة، سواء على مستوى الإصلاحات التقنية أو على مستوى تأمين التزويد بالماء للمرافق الحيوية، مع التنسيق المستمر بين السلطات المحلية والشركة الجهوية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بما يضمن عودة الأمور إلى طبيعتها في أقرب الآجال.

وتؤكد هذه المواكبة الميدانية أن تدبير مثل هذه الأزمات لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يتطلب أيضاً قيادة ميدانية وتنسيقاً محكماً بين مختلف المؤسسات، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة حيوية تمس الحياة اليومية لمئات الآلاف من المواطنين.

وفي المقابل، أعادت هذه الواقعة إلى الواجهة ضرورة تسريع وتيرة تحديث وتأهيل البنيات الأساسية المرتبطة بإنتاج ونقل الماء الصالح للشرب، خصوصاً قنوات الجر الرئيسية التي أصبحت الأعطاب المتكررة التي تصيبها تطرح تساؤلات حول قدرتها على مواكبة الطلب المتزايد، في ظل النمو الديمغرافي والتوسع العمراني الذي تعرفه جهة فاس–مكناس.

كما تبرز هذه الأزمة الحاجة إلى الاستثمار في مشاريع تقوية أمن التزود بالمياه، من خلال تنويع مصادر الإنتاج، وإحداث خطوط جر احتياطية، وتعزيز قدرة التخزين، حتى لا يؤدي أي عطب تقني مستقبلاً إلى اضطرابات واسعة تمس ملايين المواطنين.

لقد أثبتت الأزمة أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس أدارت مرحلة توزيع المياه وفق الإمكانيات المتاحة، وأنها لم تكن مسؤولة عن توقف الإنتاج، بل تعاملت مع وضع فرضته أعطاب مست القناة التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، معتمدة استراتيجية توزيع متدرجة، وتواصلاً مؤسساتياً مسؤولاً، وتعبئة ميدانية متواصلة حتى عودة المياه إلى مختلف الأحياء.

ويبقى الرهان اليوم هو استخلاص الدروس من هذه الأزمة، وتحويلها إلى فرصة لتقوية البنيات التحتية المائية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى تصبح جهة فاس–مكناس أكثر قدرة على مواجهة أي طارئ مستقبلي، خاصة في ظل التحديات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد المائية، بما يضمن استمرارية هذا المرفق الحيوي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى