معاناة ساكنة أقاليم جهة فاس‑مكناس مع “الريوز” والانترنت: مشكلة بنية تحتية تهدد التنمية وتفضح عجز شركات الاتصالات

تعيش ساكنة عدد من أقاليم جهة فاس‑مكناس، وفي مقدمتها جماعات قروية بإقليمي تازة وتاونات ومولاي يعقوب و غيرهم من الأقاليم التسعة، معاناة حقيقية بسبب انقطاع الشبكة والإنترنت في مناطق نائية، مما يعطل تواصلها مع الخارج ويحرّمها من الخدمات الرقمية الأساسية، ويثير تساؤلات حول نجاعة شركات الاتصالات والبنية التحتية الوطنية في تحقيق تغطية عادلة ومستدامة.
الظاهرة، التي يتداولها السكان منذ سنوات، تفاقمت مع أولى التساقطات المطرية والثلجية، إذ غالبًا ما يشهد سكان هذه المناطق توقف خدمات الهاتف والإنترنت بشكل كامل، ما يُعطل قدرتهم على التواصل مع ذويهم بالخارج، أو تتبع ملفاتهم الطبية، أو الولوج إلى الخدمات الرقمية الحكومية أو البنكية، وهو ما يجعل “الانقطاع” ليس مجرد مضايقة بل عقبة تنموية حقيقية.
السكان في الجماعات القروية يروون أن انقطاع الانترنت يمتد في بعض الحالات لأكثر من شهر، خاصة بعد هطول الأمطار أو في فصل الشتاء، وهو ما يعكس قصوراً في البنية التحتية وتدبيرًا غير كافٍ من قبل شركات الاتصالات المعتمدة، التي لم تضع حلولاً جذرية لتدعيم الشبكات في المناطق المعزولة.
ويشير كثير من المتضررين إلى أن ما يُعرف محليًا باسم “الريوز” (أي لاقط الإشارة الخلوية) في هذه المناطق إما غائب أو ضعيفاً للغاية، مما يجعل الاتصال صعباً أو معدوماً، ويفتح الباب على تساؤلات حول جدوى الاستثمارات المعلنة في التغطية الشبكية، وفعالية الرقابة على جودة التغطية من قبل الجهات المشرفة على القطاع.
ورغم ما يروج له حول تحقيق نسبة تغطية عالية لشبكات الجيل الثالث والرابع على مستوى القرى والجهات، فإن الواقع الميداني يختلف في الكثير من المناطق النائية التي لا تزال تعاني من ضعف الإشارة، أو من انقطاع كامل للخدمة كلما تغيرت الظروف المناخية أو تضاريس الأرض سهلت ذلك.
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام استحقاق جدي في تفعيل المشاريع الجديدة لتحديث الشبكات، بما في ذلك توسيع الاعتماد على التقنيات الحديثة مثل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية (SATELLITE/VSAT)، التي وُعدت بها الساكنة القروية ضمن مخطط تنمية الشبكات ، لكنها لم تُفعّل بشكل واسع بعد.
هذه التقنية، التي تم إدراجها في برامج العمل لتغطية المناطق المعزولة عندما تعجز التكنولوجيات التقليدية عن الوصول إليها، تُعد أحد الحلول القادرة على كسر حلقة الانقطاع القاتل للربط الرقمي في القرى والجبال.
في المقابل، تُشير متابعات قطاع الاتصالات إلى أن المغرب وضع عبر المخطط الوطني للصبيب العالي أهدافًا لربط أكثر المناطق النائية بالإنترنت، بما يشمل برامج الجيل الرابع والخدمات عبر الأقمار الصناعية، لكن تطبيق هذه المشاريع ما زال بطيئًا أو غير مكتمل في العديد من الجماعات القروية.
ووسط هذا الواقع، يتساءل المواطنون عما إذا كانت الاستثمارات الضخمة المعلنة في تطوير شبكات الجيل الخامس أو مشاريع الألياف البصرية تخدم حياة الناس اليومية في عمق القرى، أم أنها تبقى حبرًا على ورق بينما يستمر سكان فاس‑مكناس في معاناتهم مع انقطاع الإنترنت والتواصل، وهو ما يضرب في صميم شعار الحكومة حول الاندماج الرقمي والتنمية المتوازنة.
المعاناة الرقمية لا تبقى مجرد تشويش في الشبكة، بل قضية اجتماعية وتنموية تتطلب تدخلًا سريعًا من الدولة، وتشديدًا للمراقبة على التزامات شركات الاتصالات، وتفعيل المشاريع الرقمية المتعثرة، وإخراج حلول عبر الأقمار الصناعية والبنى التحتية المتقدمة، حتى لا تبقى القرى المغربية مُحاصرة في عزلة رقمية مع كل مطر أو ثلج جديد.






