تحقيقات فاس 24: من يوقف تغول “النافذين” بالعاصمة العلمية؟ مقهى ومطعم فاره يتحدى القانون بين فاس ومولاي يعقوب: قصة رخصة “سُحبت” بقرار ولائي وأُعيدت بـ”مظلة” التقسيم الترابي الجديد!

أعادت حوادث انهيار العمارات التي هزت مدينة فاس خلال الأشهر الأخيرة، وأبرزها فاجعة حي عين النقبي التي خلفت مصرع 15 شخصاً، فتح النقاش العمومي حول واقع التعمير والمراقبة الإدارية والهندسية بالعاصمة العلمية، في ظل تزايد التساؤلات حول العلبة اسلوداء بجماعة فاس التي تتحكم في مساطر منح التراخيص وتتبع المشاريع العمرانية واحترام الضوابط القانونية.
ففي أقل من سنة، عاشت فاس على وقع ثلاث حوادث انهيار مؤلمة بكل من حي بندباب وحي المسيرة وحي عين النقبي وخلفت ورائها حوالي 47 قتيلا، وهي أحداث خلفت حالة من الصدمة وسط الرأي العام المحلي، وأعادت إلى الواجهة مطالب تشديد المراقبة على البنايات والأوراش، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين في قطاع التعمير.
وفي سياق هذا النقاش، يبرز ملف مشروع تجاري وترفيهي يضم مقهى ومطعماً بمنطقة تقع بين النفوذ الترابي لفاس وإقليم مولاي يعقوب، باعتباره من الملفات التي أثارت اهتمام متابعين للشأن المحلي، بالنظر إلى المسار الإداري الذي عرفه المشروع خلال مراحل مختلفة، وتعدد الجهات التي أشرفت على تدبيره.
وبحسب وثائق ومحاضر اطلعت عليها الجريدة، فإن المشروع كان قد خضع خلال فترة ولاية الوالي السابق لجهة فاس مكناس، سعيد ازنيبر، لمعاينات وتقارير أنجزتها لجان مختلطة تابعة للمصالح المختصة، تضمنت ملاحظات مرتبطة بالجوانب التعميرية والتغييرات التي طالت بعض مكونات المشروع مقارنة بالتصاميم الأصلية المرخصة و الوثائق المسلمة مما عجل بسحب رخص الإستغلال.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن السلطات المختصة كانت قد اتخذت حينها إجراءات إدارية وتقنية مرتبطة بإعادة النظر في بعض التراخيص، مع تنفيذ عمليات إزالة وهدم جزئي لأجزاء اعتبرت غير مطابقة للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل مع تفعيل قرار سحب رخصة الإستغلال بشكل نهائي الى حين تسوية الوضعية،غير ان الخروقات المرتكبة غير قابلة للتسوية و لا لملحق تصميمي جديد وهو ما يستوجب قرار الهدم،غير أن صاحب المشروع إستفاد من التقسيم الترابي و من علاقات متشعبة بالعلبة السوداء داخل جماعة فاس جعله ينسى كل شيء مما تعرض له من ضوابط قانونية و قرارات ولائية.
غير أن الملف عرف لاحقاً تطورات جديدة تزامنت مع مرحلة انتقال إداري وترابي شهدتها الجهة، خاصة بعد مغادرة الوالي سعيد ازنيبر لمنصبه، وتولي معاذ الجامعي مسؤولية تدبير الولاية خلال مرحلة لاحقة، وهي الفترة التي تزامنت، وفق متابعين، مع استمرار النقاش حول عدد من ملفات التعمير والاستثمار بالمنطقة.
كما يتقاطع الملف مع مشروع إعادة التحديد والتقسيم الترابي بين مدينة فاس وإقليم مولاي يعقوب، وهو الورش الإداري الذي كان قد أثير بشأنه الكثير من النقاش خلال فترة إشراف العامل السابق لإقليم مولاي يعقوب، عبد الوهاب فاضل، حيث اعتبر متابعون أن التعديلات الترابية الجديدة كان لها تأثير مباشر على مسار بعض الملفات العقارية والتعميرية التي انتقلت من النفوذ الإداري لفاس إلى جماعات تابعة لإقليم مولاي يعقوب.
وفي هذا الإطار، انتقل المشروع موضوع الجدل إلى المجال الترابي التابع لجماعة عين الشقف، الواقعة تحت نفوذ عمالة مولاي يعقوب، لتدخل بذلك سلطات ومصالح إدارية جديدة على خط تدبير الملف.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع حصل لاحقاً على رخصة الإستغلال من جماعة عين الشقف و ذلك دون أي تصحيح للإختلالات السابقة مع تسجيل حالة العود لبناء الطابق الثاني رغم ان الوالي أزنيبر قرر تفعيل القانون و هدمه، غير أن المرحلة الحالية التي يشرف فيها على تدبير عمالة إقليم مولاي يعقوب العامل الحالي محمد الخمليشي، الأمر الذي أعاد النقاش حول مدى التنسيق بين مختلف الإدارات المتدخلة في ملفات التعمير، وكيفية التعامل مع المشاريع التي سبق أن كانت موضوع ملاحظات أو قرارات إدارية سابقة.
كما تثير بعض الوثائق المرتبطة بالمشروع و التي تتوفر عليها “فاس24″، وفق متخصصين، تساؤلات حول مسار منح شهادات المطابقة من جماعة فاس رغم أن البناية مخالفة للتصميم و بها عدة إختلالات حسب المحاضر التي أنجزتها لجان مختلطة أوفدها الوالي أزنيبر مرتين، خاصة وقد سجل وجود تقارير ومعاينات تقنية سابقة أنجزتها لجان مختصة،و خاصة فيما يتعلق بعلو القبو و البناء في الملك العمومي و تشييد طابق ثاني وغير ذلك.
ويرى فاعلون مهتمون بالشأن العمراني أن تزامن هذه الملفات مع فواجع انهيار العمارات التي شهدتها فاس خلال الفترة الأخيرة، يجعل الحاجة ملحة اليوم إلى مراجعة شاملة لمنظومة المراقبة والتتبع العمراني، سواء تعلق الأمر بالبنايات السكنية أو المشاريع التجارية الكبرى،وهو ما يستوجب فتح تحقيق شامل حول مجموعة من المقاهي و المطاعم الفارهة التي إرتكبت مجزرة في التعمير.
ويؤكد مختصون أن حماية السلامة العمرانية تقتضي تعزيز آليات المراقبة القبلية والبعدية، وتوحيد قواعد تدبير الملفات بين مختلف الجماعات الترابية، مع ضمان الاستمرارية الإدارية في تتبع المشاريع التي تعرف انتقالاً بين نفوذ ترابي وآخر،و أن قانون التعمير يجب ان يطبق على الفقير و الغني بالتساوي و الدفع بالقطع مع منطق النفوذ و الريع.
و مع تكرار الحوادث المرتبطة بالبنايات بفاس، وما يرافق بعض ملفات التعمير من جدل وتساؤلات، يجعل من ورش الحكامة العمرانية أحد أبرز التحديات المطروحة اليوم أمام مختلف السلطات والمتدخلين، خاصة في مدينة تشهد توسعاً عمرانياً متسارعاً وتحتاج إلى منظومة أكثر صرامة ووضوحاً في تدبير المجال العمراني.
و إذا كانت فاس محاصرة بأحزمة الفقر و البؤس و البناء العشوائي الذي بدأ يتهاوى على رؤوس الساكنة، غير ان ما يقع في التصاميم الحديثة و الخروقات المرتكبة في التجزئات السكنية و في المشاريع الإستثمارية، يستوجب على السلطات ألا تسكت عليها و أن تقطع مع زمن التدخلات و الموالات، و أن والي الجهة الحالي خالد ايت طالب عازم على القطع مع ممارسات سابقة اضرت فاس كثيرا و أن الخروج منها صعب للغاية اذا لم تتظافر الجهود و يتم القطع مع النفوذ و الريع و المقاومة السلبية التي يقودها المستفدون من الوضع الراهن.






