قضايا

إدانة مسؤول نقابي بفاس تعيد الجدل حول “تغول” بعض النقابيين داخل المرافق العمومية.. مطالب بفتح ملفات الامتيازات والريع والتدخل الحازم لتطبيق القانون

أعاد الحكم القضائي الصادر عن المحكمة الابتدائية بمدينة فاس في حق مسؤول نقابي بقطاع الصحة، الجدل مجدداً حول ما بات يوصف داخل عدد من الأوساط الإدارية والمهنية بـ”تغول” بعض الوجوه النقابية التي تحولت، وفق متابعين، من إطار للدفاع عن حقوق الشغيلة إلى مراكز نفوذ تمارس الضغط على الإدارات العمومية وتستغل العمل النقابي لتحقيق امتيازات ومصالح خاصة.

وقضت غرفة الجنح العادية بالمحكمة الابتدائية بفاس، أول أمس الخميس، بثلاثة أشهر حبسا موقوف التنفيذ وغرامة مالية، في حق مسؤول نقابي يشغل مهمة الكاتب الجهوي لإحدى النقابات بقطاع الصحة بجهة فاس مكناس، بعد متابعته بتهمة إهانة موظف عمومي أثناء مزاولة مهامه، مع الحكم عليه بأداء تعويض مدني لفائدة المشتكي.

وتعود تفاصيل القضية إلى خلاف وقع داخل المستشفى الجهوي الغساني بفاس، بعدما حاول المسؤول النقابي إدخال سيدة للاستفادة من الخدمات الصحية خارج المساطر المعمول بها، قبل أن يتطور الأمر إلى تبادل للاتهامات وصدور عبارات سب وتهديد في حق الحارس العام للمستشفى، وفق ما تضمنته محاضر الضابطة القضائية وشهادات الشهود، إضافة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة التي تم الرجوع إليها أثناء البحث.

غير أن هذه القضية، بحسب عدد من المتابعين للشأن النقابي والإداري بالجهة، لا تعد سوى جزء من صورة أوسع تتعلق بوجود ممارسات يصفها موظفون داخل قطاعات عمومية بـ”الابتزاز النقابي”، حيث يتم، وفق تعبيرهم، استعمال ورقة الإضرابات والاحتجاجات للضغط على المسؤولين الإداريين من أجل انتزاع امتيازات أو فرض تدخلات خارج القانون.

وتتحدث مصادر مهنية عن وجود مسؤولين نقابيين راكموا نفوذاً واسعاً داخل بعض المؤسسات العمومية بفاس، مستفيدين من مواقعهم التمثيلية لفرض منطق “الاستثناء”، سواء عبر التدخل في ملفات إدارية أو محاولة التأثير على قرارات التعيين والتنقيل أو الاستفادة من امتيازات غير مبررة، وسط شكاوى متكررة من موظفين يعتبرون أنفسهم ضحايا “الشطط النقابي” داخل بعض الإدارات.

ويؤكد متابعون أن عدداً من القطاعات العمومية أصبحت تعيش، في بعض الأحيان، على وقع توتر دائم بسبب التهديد المستمر بخوض إضرابات أو وقفات احتجاجية كلما حاولت الإدارات فرض احترام المساطر القانونية أو محاربة بعض مظاهر الفوضى والتسيب الإداري.

كما يرى مهنيون أن بعض القيادات النقابية تجاوزت أدوارها التأطيرية والدفاعية، لتتحول إلى ما يشبه “مراكز قوة” داخل المرافق العمومية، مستفيدة من الحساسيات الاجتماعية والخوف من تعطيل الخدمات العمومية للضغط على المسؤولين الإداريين وتحقيق مكاسب خاصة لا علاقة لها بالمطالب المهنية الحقيقية للشغيلة.

وفي مقابل ذلك، تشدد أصوات حقوقية وإدارية على أن العمل النقابي يبقى حقاً دستورياً ومكسباً أساسياً لحماية حقوق الموظفين والعمال، غير أن هذا الحق، تضيف المصادر نفسها، لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لممارسة التجاوزات أو التهجم على الموظفين العموميين أو عرقلة السير العادي للمرافق العمومية.

وتطالب فعاليات مهنية وحقوقية بفتح تحقيقات معمقة في عدد من الملفات المرتبطة ببعض الوجوه النقابية التي تحوم حولها، بحسب تعبيرها، شبهات الاستفادة من امتيازات غير قانونية أو استغلال النفوذ داخل قطاعات حساسة، داعية إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

ويعتبر متابعون أن الحكم القضائي الأخير يشكل رسالة واضحة مفادها أن الصفة النقابية لا تضع أي شخص فوق القانون، وأن المؤسسات القضائية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتصدي لكل مظاهر التجاوز واستغلال النفوذ، حماية لهيبة الإدارة العمومية وضماناً لحقوق المرتفقين والموظفين على حد سواء.

وفي ظل تصاعد الأصوات المطالبة بإصلاح العمل النقابي وتخليق الممارسة داخل عدد من القطاعات، يظل الرهان الأساسي هو إعادة الاعتبار للعمل النقابي الجاد والمسؤول، القائم على الدفاع الحقيقي عن قضايا الشغيلة، بعيداً عن منطق الريع والامتيازات واستعراض النفوذ داخل المؤسسات العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى